3:22 مساءً / 10 فبراير، 2026
آخر الاخبار

أربعة عشر عاماً في مواجهة الرواية والهيمنة الإسرائيلية ، “ الدكتور وسيم وني ” يكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “

أربعة عشر عاماً في مواجهة الرواية والهيمنة الإسرائيلية ، “ الدكتور وسيم وني ” يكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “

ليست الذكرى الرابعة عشرة لانطلاقة شبكة فلسطين للأنباء (شفا) محطة احتفالية عابرة، بل لحظة تأمل نقدي في دور الإعلام حين يتحوّل من أداة نقل إلى فاعل سياسي وثقافي ومعرفي في قلب الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

ففي زمن تتشابك فيه المصالح وروايات الاحتلال مع رأس المال، وتُصادَر فيه الحقيقة لصالح الروايات المهيمنة، تبرز التجارب الإعلامية التي اختارت الانحياز للوعي العام بوصفها استثناءً ضرورياً، و ”شفا” واحدة من هذه التجارب التي فرضت حضورها خارج منطق السوق، وداخل منطق القضية الفلسطينية .

فمنذ نشأته، لم يكن الإعلام الفلسطيني شأناً مهنياً فحسب، بل ممارسة سياسية بامتياز. فكل خبر يُكتب، وكل صورة تُنشر، وكل عنوان يُصاغ، هو فعل اشتباك مع منظومة كاملة تعمل على إعادة تعريف الضحية والجاني وتفضح ممارسات الاحتلال .

وفي هذا السياق، جاءت “شفا” لتؤكد أن الإعلام ليس حيادياً حين يكون الاحتلال قائماً، وأن الحياد في لحظات الظلم انحيازٌ صريح للأقوى.

ولقد قدّمت الشبكة نموذجاً للإعلام المنحاز للحق دون السقوط في خطاب التحريض أو الشعبوية، فجمعت بين المهنية الصارمة والالتزام الوطني الداعم للشرعية الفلسطينية ، وهو توازن بالغ الصعوبة في بيئة سياسية وإعلامية مضطربة.

لعل أخطر ما تواجهه القضية الفلسطينية اليوم ليس فقط العدوان على أبناء شعبنا وتدمير الشجر والحجر ، بل العدوان على الذاكرة والمعنى ، فالاحتلال يعمل على إعادة كتابة التاريخ، وتفريغ المفاهيم من مضامينها، وتحويل الضحية إلى متّهم ، وهنا لعبت “شفا” دوراً مركزياً في حماية الرواية الفلسطينية، عبر التوثيق اليومي، والتحليل السياسي، وإتاحة المجال للأصوات الأكاديمية والفكرية التي تفكك الخطاب الاستعماري وتعيد الاعتبار للسردية الفلسطينية بوصفها سردية تحرّر وحق.

ولقد تميّزت “شفا” بأنها لم تُغلق أبوابها عند حدود الخبر العاجل، بل فتحت نوافذها للنقاش العميق، والمقالات الفكرية، والقراءات السياسية والاستراتيجية ، وبهذا المعنى، تحوّلت إلى فضاء معرفي يلتقي فيه الأكاديمي بالصحافي، والسياسي بالمثقف، والشاعر بالمحلل، في محاولة جادّة لإنتاج وعي نقدي يتجاوز ردّ الفعل إلى الفعل الواعي.
كما يعد مشاركة أكثر من ثمانين بروفيسوراً ودكتوراً وأكاديمياً وكاتباً وصحفياً وشاعراً وسياسياً في هذه الذكرى بأنه ليس رقماً احتفالياً، بل مؤشر واضح على الثقة المتراكمة بدور الشبكة ومكانتها.

تأتي الذكرى الرابعة عشرة لانطلاقة “شفا” في لحظة عالمية شديدة التعقيد؛ حيث تتراجع القيم الإنسانية أمام صعود الشعبويات، وتتقدّم المصالح على حساب القانون الدولي، وتُدار الحروب من غرف الأخبار بقدر ما تُدار من غرف العمليات ، وفي هذا المشهد، يصبح الإعلام الفلسطيني مطالباً بأكثر من الصمود: مطالباً بالذكاء السياسي، وبالقدرة على مخاطبة الرأي العام العالمي بلغته، دون التفريط بالثوابت.
وقد حاولت “شفا”، ضمن إمكانياتها، أن تخوض هذا التحدي، عبر خطاب عقلاني، وتحليل رصين، وانفتاح مدروس على التجارب الإعلامية الدولية.

ومن أبرز معارك الإعلام الفلسطيني هي معركة الاستقلالية: الاستقلال عن الإملاءات السياسية الضيقة، وعن التمويل المشروط، وعن الاصطفافات التي تفرّغ الإعلام من دوره الرقابي ، وقد شكّلت “شفا” نموذجاً لمحاولة الحفاظ على هذا الهامش الصعب، مع إدراك عميق بأن الاستقلال لا يعني العزلة، بل يعني وضوح البوصلة، والالتزام بالمصلحة الوطنية العليا.

وختاماً أربعة عشر عاماً مرّت، و”شفا” ما زالت تخوض معركتها بالكلمة، وتراهن على العقل، وتؤمن بأن الإعلام ليس ترفاً في زمن الصراع، بل أحد ميادينه الأساسية.

في هذه الذكرى، لا نحيّي مؤسسة فحسب، بل نحيّي فكرة: فكرة أن الحقيقة يمكن أن تجد من يدافع عنها، وأن الرواية الفلسطينية ما زالت قادرة على الصمود والتجدد، وأن الكلمة، حين تكون واعية ومسؤولة، قادرة على إرباك القوة وكسر الهيمنة.

كل التحية لشبكة فلسطين للأنباء “شفا” في ذكراها الرابعة عشرة، وعلى أمل أن تبقى منبراً للوعي، وساحة للعقل النقدي، وخط دفاع أول عن الذاكرة الفلسطينية.

شاهد أيضاً

الكلمة الصادقة .. وصوت فلسطين الذي لا يغيب ، “ معروف الرفاعي ” يكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “

الكلمة الصادقة .. وصوت فلسطين الذي لا يغيب ، “ معروف الرفاعي ” يكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “

الكلمة الصادقة .. وصوت فلسطين الذي لا يغيب ، “ معروف الرفاعي ” يكتب في …