2:15 مساءً / 4 فبراير، 2026
آخر الاخبار

السابع من أكتوبر ومقومات الدولة الممسوخة ، حين يتحوّل الوهم إلى مشروع… ويُدفع الشعب ثمن الضياع ، بقلم : احمد سليمان

السابع من أكتوبر ومقومات الدولة الممسوخة ، حين يتحوّل الوهم إلى مشروع… ويُدفع الشعب ثمن الضياع ، بقلم : احمد سليمان

لم يكن السابع من أكتوبر لحظة بطولة معزولة، ولا فعلاً مفاجئاً خارج السياق، بل كان انفجاراً متأخراً لمسارٍ كامل من العبث السياسي، والانقلاب على جوهر المشروع الوطني الفلسطيني. انفجاراً كشف، بدمٍ غزير، نتائج الرهان على مشاريع مشوّهة، منفصلة عن الشرعية الوطنية، ومتصالحة – عن قصد أو جهل – مع منطق إدارة الصراع بدل إنهائه.

لقد جرى، بوعي كامل، الترويج لما سُمّي «مشروعاً تحررياً» خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية، في جريمة سياسية موصوفة بحق التاريخ والشرعية والتضحيات. لم يكن الهدف تحرير فلسطين، بل كسر الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتحويل القضية من قضية تحرر وطني إلى ورقة ضغط إقليمية، تُستخدم حيناً وتُحرق حيناً آخر.

هذا المسار لم يكن فلسطينياً خالصاً، بل انقلاباً مباركاً أميركياً وإسرائيلياً، جرى تمويله قطرياً، ورعايته سياسياً، ليُنتج كياناً هشّاً بلا برنامج وطني، وبلا رؤية استراتيجية، وبلا مساءلة. كيان يعيش على التمويل، ويتغذّى على الشعارات، ويُقحم شعباً كاملاً في مواجهة مفتوحة، بينما هو معفى من دفع الثمن السياسي.

في ذروة هذا الانحراف، يُطرح علينا «مجلس سلام» يضمّ بنيامين نتانياهو، مجرم الحرب، قاتل الأطفال، ومهندس المجازر. أي سقوط أخلاقي هذا؟ وأي انحطاط سياسي يجعل من القاتل شريكاً، ومن الضحية طرفاً مطلوباً منه ضبط النفس؟ هذا ليس سلاماً، بل إعلان استسلام تحت مسمى الواقعية، وإعادة إنتاج للاحتلال بأدوات ناعمة.

وهنا تحديداً، تتكشّف خطة ترامب، التي لم تسقط ولم تُدفن، بل أُعيد تدويرها بوجوه جديدة. خطة تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، شطب القدس، إنهاء حق العودة، وتفكيك الشعب إلى تجمعات سكانية تبحث عن فتات «الاستقرار» تحت السيادة الإسرائيلية. من يعتقد أن هذه الخطة انتهت، إمّا واهم أو شريك في الخداع.

الأكثر فجاجة في هذا المشهد، هو الصمت العربي المخزي. صمتٌ تحت مطرقة ترامب، وما بعدها، لم يعد صمت العاجز، بل صمت المتواطئ. أنظمة اختارت التطبيع، والانحناء، والتخلي عن فلسطين بوصفها «ملفاً مزعجاً»، لا قضية مركزية. ففُتحت الأبواب أمام الاحتلال، وأُغلقت في وجه الشعب الفلسطيني.

حين ضاعت البوصلة الوطنية، لم تضِع فصيلاً أو قيادة فقط، بل ضاع شعبٌ كامل. أجيال تُدفع إلى الموت بلا أفق، وتضحيات تُستنزف بلا استراتيجية، وانقسام يتعمّق، وثقة وطنية تتآكل، فيما تُدار القضية من غرف إقليمية، لا من عقل وطني جامع.

ورغم كل هذا الخراب، يحاول البعض القفز عن الحقيقة المركزية: لا بديل عن منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. لسنا نقدّس أشخاصاً ولا تجارب، لكننا نرفض تدمير الإطار الجامع، ونرفض استبداله بمشاريع فئوية، مسلّحة، ممولة، ومشروطة. كل من حاول تجاوز منظمة التحرير لم يحرر شبراً، بل فتح ثغرة للاحتلال كي يتقدم أكثر.

إن الدولة التي يُراد تسويقها اليوم، دولة بلا سيادة، بلا جيش وطني، بلا قرار مستقل، وبلا تمثيل جامع، ليست دولة، بل كيان ممسوخ، يُدار بالتصاريح، ويُموَّل بالمقايضة، ويُضبط أمنياً لحماية الاحتلال. دولة لا تحمي شعبها، ولا تعبر عن تطلعاته، ولا تملك قرار الحرب ولا السلام.

وفي النهاية، وسط هذا الركام من الدم والخذلان، لا يبقى لنا إلا الحقيقة العارية التي لا تموت: فلسطين ليست شعاراً، بل وجعاً يومياً، ودموع أمهات، ووصايا شهداء لم يطلبوا إلا أن لا نضيّع الطريق. الرحمة لشهدائنا الذين صعدوا وهم يحلمون بوطن، والحرية لأسرانا الذين يواجهون العتمة بصدورٍ عارية وإرادة لا تنكسر، والشفاء العاجل لجرحانا الذين نزفوا نيابة عن أمةٍ بأكملها. لهم ننحني لا ضعفاً بل وفاءً، ومن دمهم نستعيد البوصلة، وبصبرهم نحفظ المعنى، وبأسمائهم نُقسم أن هذه القضية لن تكون ملفاً، ولن تُباع، ولن تُمحى، ما دام في هذا الشعب قلبٌ يخفق، وصوتٌ يرفض، وذاكرةٌ لا تنسى.

  • – احمد سليمان – حركة فتح إقليم السويد .

شاهد أيضاً

الرئيس محمود عباس يعبر عن شكره وتقديره لمواقف السعودية وتركيا تجاه القضية الفلسطينية

الرئيس محمود عباس يعبر عن شكره وتقديره لمواقف السعودية وتركيا تجاه القضية الفلسطينية

شفا – عبر رئيس دولة فلسطين محمود عباس، عن شكره وتقديره للبيان السعودي- التركي المشترك …