2:15 مساءً / 4 فبراير، 2026
آخر الاخبار

الكاتبة والناقدة الفلسطينيّة غدير حميدان الزبون تقدّم قراءة نقديّة في كتاب “البِنية الروائيّة من الأسس إلى التناص” للكاتبة المقدسيّة الدكتورة سناء عز الدين العطّاري

الكاتبة والناقدة الفلسطينيّة غدير حميدان الزبون تقدّم قراءة نقديّة في كتاب “البِنية الروائيّة من الأسس إلى التناص” للكاتبة المقدسيّة الدكتورة سناء عز الدين العطّاري

أطلُّ عليكم في هذا المقال لأقرأ في الوَعْي الجمعيّ، وفي طُرُقِ تشكُّل المعنى، وفي تلك العَمارة الخفيّة التي تُقيم عليها الشُّعوبُ ذاكرتَها، وتشدُّ بها أوتادَ سردِها الكبير في وجهِ المَحْو.


واعلموا قرّاءنا الكرام أنّه لا يليق بأيّ نصّ خرج إلى النور أنْ تُقرأ نصوصُه بمعزلٍ عن تجليات المكان والزمان وأبعاد الشخصيات، ومشارب التناص، ولا يليقُ كذلك أنْ تُفهم الروايةُ خارجَ سياقِها الثقافيّ والإنسانيّ والوطنيّ، فالكتابةُ يا أنارَ اللهُ بصيرتَكم فعلُ انتماءٍ قبل أنْ تكون ممارسةً جماليّة، وهذا ما جادت به الدكتورة سناء عز الدين العطاري من خلال كتابها “البِنية الروائيّة من الأسس إلى التناص” ليكون تربة خصبة لمن يعنيه أمر الرواية.


هذا العملِ المعرفيّ الّذي يقدّم الرواية بكل تفاصيلها يُعيدُ مساءلة الرواية في نظامها الدلالي وفي بنيتها الفكرية، وفي خطابها الثقافي الذي يتقاطع فيه الجمال بالمعرفة، ويتحاور فيه التّاريخ مع الإنسان، فالمعرفة مشروعٌ جماعيّ، والرواية لا تزدهر في العزلة، إنما تحتاج إلى فضاءٍ تشاركيّ حيّ، ومن منطلق الغيرة على جودة ما يضاف إلى مكتبتنا الفلسطينية من روايات كان لا بدّ من تسليط الضوء على هذا الكتاب الثري لعلّه يكون أساسا يقف عليه الشغوف بالرواية قبل أنْ يخلطَ الحابلَ بالنابل فيضيع ونضيع معه، فيكونُ حالُنا: ندمنا ولات ساعةَ مَندَمِ.


ولعلّ السؤالَ الذي ينبغي أنْ نفتتحَ به هذا المقال هو:
هل يُمكنُ لوطنٍ أنْ يُمحى إذا كُتِبَت روايتُه جيّدًا؟
إنّ الرواية في جوهرها العميق أرشيفٌ إنسانيّ تُحفَظ فيه الحياةُ كما نعيشها، لا كما كُتِبَت في التّقارير؛ نكتبُ الرواية فنحملُ في جعبتها الأسماء الصغيرة، والبيوت، واللهجات، والأغاني، وطقوس الفرح، وحتى الخوف اليوميّ الذي لا تلتقطه الكاميرات.


لذلك كان لا بدّ من كتابة الرواية بوعيٍ بنيويّ يُؤرّخُ الحدثَ، ويعيدُ ترتيبَ الذّاكرةِ، ويمنحُ التّجربةَ الإنسانيّةَ شكلَها القابلَ للبقاء؛ فالفوضى تُنسى، أمّا البِنية فتُخَلَّد، وهنا أؤكّد على أهمية امتلاك ناصية كتاب الدكتورة الحصيفة سناء.
إنّ العملَ الروائيَ شاهدٌ من شواهد حفظ الوطن، يُمسكُ بالتفاصيل التي يُبنى منها الوجودُ البسيطُ منها والمعقّد: كيف نحبُّ، وكيف نحزنُ، وكيف نسمّي الأشياءَ، وكيف نروي أنفسَنا للعالم، وفي السياق الفلسطينيّ تحديدًا يتزاحم الحدث، وتتكاثر الروايات، وتُختزَل الحكاية أحيانًا، ما يُحتّمُ علينا أنْ نكتبَ الرواية بوعيٍ بِنيويّ معرفي يوثقُ للحياة بكلّ تشابكاتها، من اليوميّ البسيط إلى المصيريّ العميق.


من هذا المنطلق، يكتسب كتاب “البِنية الروائيّة: من الأُسُس إلى التَّناص” أهميّتَه؛ فهو كتابٌ يبدأ من السؤال: ما الرواية؟ وينتهي بالسؤال الأخطر: كيف تُنتج الرواية معنى في عالمٍ متشابك النصوص، وفي زمن السرعة، والذكاء الاصطناعي، وتكاثر النصوص غير المسبوق؟ هذا الكتاب يأتي ليدقَّ جدرانَ الخزان ويفتحَ فمَهُ صارخًا: ارحمونا فليس كلُّ مَن كتب روايةً صار روائيًّا، وليس كلُّ سردٍ رواية، فالوعي يا سادةَ العصر، شرطٌ من شروط الكتابة المسؤولة.


وفي فلسطينَ على وجه الخصوص نضربُ بكفٍّ من حديد كلَّ مَن تهمسُ له نفسُه بأنّ الحكاية ستنتهي، وهذا الحديثُ يعزّزُ وعيَنا بالبِنية المتينة كأداة مقاومةٍ ثقافيّة، فكلُّ جملةٍ تُكتَب على ثرى فردوسِنا المفقود قد تُعيدُ رسمَ خريطةِ الذاكرة، وتفتحُ بابَ الزمنِ الضائع. فالحكايةُ ما زالت تُروى، وما زال هناك الكثيرُ ليُكتشفَ ويُكتبَ.


إنّ كتابَ “البِنية السّردية من الأسس إلى التناص” يخاطبُ النقّادَ كما يتوجّه إلى المثقفِ الباحثِ عن أدواتِ فهمٍ أعمقَ للنص، وإلى طالبِ الجامعة والدراسات العليا الذي يحتاجُ مرجعيةً منهجيةً رصينة، وإلى الروائي الذي يدركُ أنّ الإبداعَ الحقيقيَّ لا يقومُ على الحَدسِ والموهبةِ، فهو يحتاجُ إلى مِراسٍ ووعيٍ بالبناءِ، وإدراكٍ للعلاقات، وتمكّنٍ من أدواتِ السرد؛ ولذلك فنحن اليومَ لا نحتفي بهذا الكتابِ بقدر ما نفتحُ حوارًا مع البِنية، ومع الرواية، ومع أسئلةِ الكتابةِ ذاتِها، في زمن اختلاط الأصوات، إذْ تصبحُ العودةُ إلى البِنية وفاءً لذاكرة هذه الأرضِ التي ما زالت قادرة على إنجاب الحكاية التي تُروى بصدق، وتُبنى بإتقان.


سأستعرض معكم مصفوفة هذا الكتاب التي تتحرك من الأساس النظري إلى التطبيق، ومن السؤال المفهومي إلى الممارسة القرائية، إذْ يؤدّي كلُّ فصل وظيفةً محدّدةً داخلَ البناء الكلّي للكتاب.


أولًا: مَدخل الكتاب وتحليل العنوان.


يحمل الكتاب عنوان: “البنية الروائية: من الأسس إلى التناص”
وهو عنوان يبدو أكاديميًا في ظاهره، لكنه في عمقه بيان نقدي مختصر، يحدّد مسار الكتاب منذ اللحظة الأولى.
فـالبنية نظام حي تتفاعل داخله العناصر.


والروائية طريقة تفكير سردية، ووعي مخصوص بالكتابة والقراءة.


أما عبارة من الأسس، فهي إعلان واضح للعودة إلى الجذور: من المفهوم، مرورا بالتاريخ، وصولا إلى النظرية.
في حين تشير عبارة إلى التناص إلى الذروة، إذْ يبلغ النص أقصى درجات الوعي، ويتحوّل إلى فضاء حواري مع الذاكرة، والدين، والثقافة.


ثانيًا: لماذا البنية الروائية الآن؟


في الفصل الأول، تعيد الدكتورة سناء عطّاري طرح سؤال البنية في لحظة ثقافية مأزومة، وتعرّفها بأنّها علاقات، ونظام ووظيفة، وهنا تؤدّي البنية وظيفة نقدية بامتياز، وتجيبُ عن سؤال: ماذا يبقى من الرواية إذا غابت البِنية؟
وعند ربط هذا السؤال بالسياق الفلسطيني، تتجلّى أهمية الفصل أكثر؛ ففلسطين تملك فائض حدث، وكثافة مأساة، وثراء تجربة إنسانية نادرة، لكنّ الحدثَ وحده لا يصنع رواية، البنية هي التي تحوّل الألم إلى معنى، والذاكرة إلى فن، والتاريخ إلى سرد قابل للبقاء.


ثالثًا: من التاريخ إلى النظرية


الفصلان الثاني والثالث: في هذين الفصلين، تؤدّي المؤلفة وظيفة مزدوجة:
التأصيل، والانفتاح في آنٍ واحد.


فالكتاب يقارن دون عقدة، ويؤصّل دون انغلاق، ويقدّم نظريات لوكاش، وباختين، وغولدمان، وفلاديمير، وروبير دون السماح لها بفرض وصايتها على النص.


وهنا تظهر الرواية العربية لا كنسخة عن الآخر، ولا كظلّ له، فهي سلالة سردية لها تاريخها، وأسئلتها، وخصوصيتها، ومسارها المختلف.


رابعًا: سيميائية العنوان


يأتي الفصل الرابع ليؤدّي وظيفة دقيقة طالما أُهمِلت نقديًا ألا وهي إعادة الاعتبار للعنوان لأنه جزء من البِنية.
فالعنوان ليس لافتة، ولا زينة لغوية، فهو عتبة تأويل، وبوصلة قراءة، وقد يكون مفتاح الخلاص أو الضياع.
وفي زمن العناوين الصادمة والتسويقية، يذكّرنا هذا الفصل بأنّ العنوان الحقيقي هو ذاك الذي يحتمل النص، ولا يفضحه، وهنا يحقّ لنا أن نسأل: كم روايةٍ جذبَنا عنوانُها، ثم خذلَنا نصُّها؟


خامسًا: الشخصية، والزمن، والمكان


تؤدّي الفصول الخامس والسادس والسابع وظيفة تفكيكية بامتياز، إذ تسقط ثلاثة أوهام شائعة: فـالشخصية لا تقتصر على الاسم، فهي كيان نفسي، واجتماعي، ورمزي.
والزمن ليس ترتيبًا خطيًا، إنما هو ذاكرة، وصدمة، واسترجاع واستباق
والمكان لا يكون خلفية محايدة، فهو هُوية، وانتماء، وجرح مفتوح.
وفي الرواية الفلسطينية تحديدًا، يصبح المكان كائنًا ناطقًا يتكلّم.


سادسًا: التناص الديني


يُعدّ الفصل الثامن من أخطر فصول الكتاب وأكثرها عمقًا، لأنه يضع حدًا فاصلًا بين:
تناص واعٍ يُنتج معنى، واقتباس زخرفي يُثقِل النص.
فالتناص الديني طاقة رمزية وبِنية دلالية تُغني السرد.
وفي السياق الفلسطيني، يتجاوز التناص كونَه إحالةً ثقافية، ليغدو ذاكرةً جمعيةً تنطقُ داخل النص من أصوات الأجداد، وشهادات الأرض، وصرخة المدن والبيوت المفقودة.


سابعًا: النماذج التطبيقية


وهنا نصل إلى إحدى أهم إضافات الكتاب فالدكتورة سناء لا تكتفي بالتنظير، إنما تدرّب القارئ على القراءة.
تبدأ من “الأجنحة المتكسّرة” لجبران خليل جبران، و “خفق الأجنحة” لمحمد عز الدين التازي، لتكون هاتان الروايتان مدخلًا لسيمياء العنوان، و “ساق البامبو” لسعود السنعوسي لدراسة تحولات الشخصية، ثم “زقاق المدق” لنجيب محفوظ ليتحوّل كل من المكان والزمان إلى بنية فاعلة، ثم التناص في أعمال غازي القصيبي و”ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي، وصولًا إلى “أنا يوسف” لأيمن العتوم كنموذج تركيبي جامع، وختما ب “تحليل أعمال واسيني الأعرج”: للوقوف على تجليات القدس.


ومن هنا، يقدّم هذا الكتاب أدوات نقدية، ويقترح مسؤولية سرد، وأخلاقيات كتابة تليق بحكاية وطن ما زالت تُكتب، ويجب أنْ تُكتب جيّدًا.

شاهد أيضاً

الرئيس محمود عباس يعبر عن شكره وتقديره لمواقف السعودية وتركيا تجاه القضية الفلسطينية

الرئيس محمود عباس يعبر عن شكره وتقديره لمواقف السعودية وتركيا تجاه القضية الفلسطينية

شفا – عبر رئيس دولة فلسطين محمود عباس، عن شكره وتقديره للبيان السعودي- التركي المشترك …