
الذكاء الاصطناعي… شريك في العملية التعليمية ، بقلم : هدى النقوزي
يشهد العالم ثورة تكنولوجية متسارعة، يقف الذكاء الاصطناعي في قلبها، بوصفه أحد أبرز الابتكارات التي أعادت تشكيل مختلف القطاعات، وعلى رأسها قطاع التعليم. فمع تطور الأنظمة الذكية، لم يعد التعليم مقتصرًا على الأساليب التقليدية، بل أصبح أكثر تفاعلًا ومرونة، وقادرًا على تلبية احتياجات المتعلمين بطرق غير مسبوقة، مما يفتح آفاقًا جديدة نحو تعليم قائم على الابتكار والمعرفة الرقمية.
يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في تحسين جودة العملية التعليمية، من خلال توفير تجارب تعلم مخصصة تراعي الفروق الفردية بين الطلاب. فالأنظمة التعليمية الذكية تستطيع تحليل أداء الطالب، وتحديد نقاط القوة والضعف لديه، ثم اقتراح محتوى تعليمي مناسب لسرعته ومستواه، وهو ما يسهم في رفع كفاءة التعلم وتقليل الفجوات التعليمية، وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص بين المتعلمين.
أسهم الذكاء الاصطناعي في تسهيل مهام المعلمين، عبر تسهيل العديد من الأعمال الروتينية مثل تصحيح الاختبارات، وإعداد التقارير، ومتابعة الحضور. هذا الأمر يمنح المعلم وقتًا أكبر للتركيز على الجوانب الإبداعية والتفاعلية في التدريس، مثل دعم الطلاب، وتحفيز التفكير النقدي، وتنمية مهارات حل المشكلات، وهي مهارات أساسية لمتطلبات القرن الحادي والعشرين.
وفي مجال التعليم الإلكتروني، برزت تطبيقات الذكاء الاصطناعي بشكل واضح، حيث تعتمد منصات التعلم عن بُعد على المساعدات الذكية وروبوتات المحادثة للإجابة عن استفسارات الطلاب على مدار الساعة، وتقديم الدعم الفوري لهم. وقد ساهم ذلك في جعل التعليم أكثر شمولًا، خاصة للطلاب في المناطق النائية أو الذين يواجهون صعوبات في الوصول إلى المؤسسات التعليمية التقليدية، مما يعزز مفهوم التعليم للجميع.
ورغم هذه الإيجابيات، يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم عددًا من التحديات المهمة، في مقدمتها قضايا الخصوصية وحماية بيانات الطلاب، حيث تعتمد الأنظمة الذكية على جمع وتحليل كميات كبيرة من المعلومات الشخصية، مما يستدعي وضع تشريعات صارمة تضمن أمن هذه البيانات وعدم إساءة استخدامها. كما يبرز القلق من الاعتماد المفرط على التكنولوجيا، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع التفاعل الإنساني داخل الفصول الدراسية، ويؤثر على تنمية المهارات الاجتماعية والتواصلية لدى المتعلمين، إلى جانب الحاجة المستمرة لتأهيل الكوادر التعليمية وتحديث المناهج بما يتلاءم مع هذا التحول الرقمي .
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي كبديل عن المعلم، بل كشريك داعم يسهم في تطوير التعليم وجعله أكثر مواكبة لمتطلبات العصر. ومع التخطيط السليم، ووضع سياسات تعليمية واضحة، والاستثمار الصحيح في البنية التحتية الرقمية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة فعالة لبناء أجيال أكثر معرفة وقدرة على الابتكار.
غير أن نجاح هذا التحول يبقى مرهونًا ببناء القدرات الرقمية للأساتذة، والتكيف مع الطلاب في تحولهم الرقمي بهدف التصويب والإرشاد، وتمكينهم من الاستخدام الواعي والمسؤول للتكنولوجيا.
كما يتطلب الأمر تعزيز ثقافة التعلم المستمر، وترسيخ القيم الأخلاقية في التعامل مع التقنيات الحديثة، بما يضمن توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان لا استبداله. ومن هنا، تبرز أهمية الشراكة بين المؤسسات التعليمية وصنّاع القرار والمجتمع، من أجل صياغة رؤية تعليمية متكاملة تُوازن بين التقدم التكنولوجي والبعد الإنساني، وتُسهم في إعداد متعلمين قادرين على التفكير النقدي، والإبداع، والمشاركة الفاعلة في بناء مستقبل معرفي مستدام تقوده التكنولوجيا وتدعمه القيم .
- – هدى النقوزي – أخصائية علم الاجتماع التربوي .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .