5:25 مساءً / 31 يناير، 2026
آخر الاخبار

أي فتح نريد للأعوام القادمة ؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي

أي فتح نريد للأعوام القادمة ؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي

(المقال الثلاثون من سلسلة مقالات “أي فتح نُريد”)


رؤية مستقبلية وخارطة طريق


مقدّمة

تمر حركة فتح اليوم بمرحلة دقيقة من تاريخها، حيث تتشابك التحديات الداخلية مع الضغوط الخارجية، ويقف التنظيم أمام مسؤولية الحفاظ على دوره الوطني، وإعادة بناء الثقة مع الشعب، وتجديد شرعيته الجماهيرية. وفي هذا السياق، يبرز السؤال الأساسي: أي فتح نريد للأعوام القادمة؟ وما هي الرؤية التي يجب أن تقود الحركة نحو المستقبل، وما خارطة الطريق التي تضمن استمراريتها وفاعليتها؟

الإجابة على هذا السؤال ليست مجرد مسألة تنظيمية، بل مسألة وطنية ترتبط بمستقبل القضية الفلسطينية. فتح التي نريدها هي فتح القادرة على مواجهة التحديات، والملتزمة بالقيم التي أسستها، والقادرة على الابتكار والتنمية، ومواكبة التغيرات الاجتماعية والسياسية دون التخلي عن المبادئ الوطنية.

أولًا: ثوابت الحركة وقيمها الأساسية

قبل الحديث عن المستقبل، يجب التأكيد على أن فتح للأعوام القادمة لا يمكن أن تُبنى على فراغ أو انقطاع عن الماضي، بل على ثوابت الحركة وقيمها الأصيلة، ومن أبرزها:

  1. الوفاء للمشروع الوطني: فتح للأعوام القادمة يجب أن تبقى حركة تحرر، تسعى لتحقيق الحرية والاستقلال، والحفاظ على الحقوق الفلسطينية كاملة على الأرض والوطن.
  2. الوحدة الوطنية: أي مستقبل لفتح مرتبط بوحدة الشعب الفلسطيني، وتجاوز الانقسامات التي أضعفت المشروع الوطني، وتعزيز ثقافة الشراكة والتعاون بين مختلف الفصائل.
  3. العدالة والمساواة: فتح حركة للجميع، ويجب أن تعكس قيم العدالة بين المناطق والكوادر والشرائح الاجتماعية، بعيدًا عن المحسوبية أو الفئوية.
  4. العمل الجماهيري والميداني: فتح التي نريدها هي فتح القريبة من الناس، الحاضرة في القرى والمخيمات، والتي تبني قاعدتها الشعبية عبر العمل اليومي.

ثانيًا: التحديات الراهنة

لفهم أي فتح نريد، يجب أولًا استشراف التحديات الراهنة التي تواجه الحركة:

  1. تراجع الثقة الشعبية
    هناك شعور واسع بأن فتح تحولت أحيانًا إلى حركة بيروقراطية بعيدة عن الشارع، ما أدى إلى ضعف الثقة بها.
  2. التحديات الداخلية

الانقسام التنظيمي، ضعف بعض الأطر المحلية، والتركيز على المواقع والوظائف بدلاً من الأولويات الوطنية.

  1. التغيرات الاجتماعية والسياسية

ظهور جيل جديد من الشباب والمجتمع المدني، والتغيرات في المشهد الإقليمي والدولي، تتطلب تجديد الخطاب والقدرة على التواصل مع هذه الفئات.

  1. الأزمات الاقتصادية والاجتماعية

تفاقم البطالة والفقر، خاصة في المناطق المهمشة، يضع فتح أمام مسؤولية اجتماعية واضحة.
هذه التحديات يجب أن تُؤخذ في الاعتبار عند وضع رؤية مستقبلية واضحة للحركة.

ثالثًا: رؤيتنا المستقبلية لفتح

فتح التي نريدها للأعوام القادمة هي حركة قادرة على التكيف دون التفريط بالقيم، ومبتكرة دون التفريط بالمبادئ. وتقوم الرؤية المستقبلية على عدة محاور رئيسية:

  1. التجديد التنظيمي
    • إعادة هيكلة الأطر التنظيمية بما يضمن فاعلية القرار وشفافيته.
    • تعزيز التمثيل العادل لكل المناطق، بما يحقق العدالة الجغرافية.
    • تطوير القيادة وتدريب الكوادر على إدارة التحديات المعاصرة.
  2. القرب من الناس والقاعدة الشعبية
    • العمل الميداني كأولوية، عبر المبادرات الاجتماعية والخدمية.
    • إشراك الشباب والنساء في العمل الجماهيري واتخاذ القرار.
    • تعزيز التواصل المستمر مع المجتمع عبر أدوات حديثة وفعالة.
  3. تجديد الخطاب السياسي
    • خطاب يرتكز على الحق الفلسطيني، ويواكب لغة الجيل الجديد.
    • خطاب صادق وشفاف يربط بين الماضي والمستقبل.
    • تعزيز دور الإعلام الرقمي في التواصل مع الشعب والمجتمع الدولي.
  4. المسؤولية الوطنية والمصداقية
    • الفصل بين العمل التنظيمي والمصالح الشخصية.
    • محاسبة كل من يخالف القواعد الداخلية، لضمان النزاهة.
    • تعزيز ثقافة النقد الذاتي داخل الأطر القيادية.
  5. الشراكة مع الفصائل الأخرى
    • تعزيز الوحدة الوطنية وتشكيل جبهة وطنية قوية لمواجهة التحديات الإسرائيلية.
    • التعاون مع الفصائل لتوحيد الرؤى والمواقف، بعيدًا عن الصراعات الداخلية.

رابعًا: خارطة الطريق العملية

لتحقيق هذه الرؤية، تحتاج فتح إلى خارطة طريق واضحة تشمل مراحل وإجراءات عملية:

  1. مرحلة التشخيص والمراجعة
    • تقييم الوضع التنظيمي الحالي، بما في ذلك نقاط القوة والضعف.
    • الاستماع للقاعدة الشعبية من خلال استطلاعات الرأي والحوارات المباشرة.
    • مراجعة التجارب السابقة لتجنب الأخطاء السابقة.
  2. مرحلة الإصلاح الداخلي
    • إعادة هيكلة المؤسسات والأطر بما يعزز الشفافية والعدالة.
    • تطوير آليات المحاسبة والمساءلة.
    • إعادة الثقة بين القاعدة والقيادة من خلال المشاركة الفعالة.
  3. مرحلة التمكين الجماهيري
    • بناء برامج تدريبية للكوادر المحلية.
    • إطلاق مبادرات اجتماعية واقتصادية لتحسين حياة الناس.
    • تعزيز وجود الحركة في القرى والمناطق المهمشة.
  4. مرحلة التجديد السياسي والإعلامي
    • صياغة خطاب سياسي يواكب التحولات الإقليمية والدولية.
    • استخدام الإعلام الرقمي والمنصات الاجتماعية لنقل رؤية الحركة.
    • التأكيد على المبادئ الوطنية في كل تصريحات وقرارات القيادة.
  5. مرحلة الشراكة والوحدة
    • تعزيز التعاون مع الفصائل الفلسطينية لتوحيد المواقف.
    • العمل على مشاريع مشتركة تخدم المجتمع الفلسطيني.
    • بناء تحالفات وطنية تدعم المشروع الوطني بعيدًا عن الانقسام.

خامسًا: عناصر نجاح فتح المستقبل

نجاح فتح في الأعوام القادمة يعتمد على تضافر عدة عناصر:

  1. القيم والمبادئ
    التمسك بالقيم الأولى للانطلاقة، مثل التضحية، الوحدة، العدالة، والمشروع الوطني.
  2. القيادة الفاعلة
    وجود قيادة قادرة على اتخاذ القرار، ومتمسكة بالقيم، وتستمع للقاعدة.
  3. التواصل الفعّال مع الناس
    خلق قنوات حوار مستمرة مع المواطنين، والتفاعل مع همومهم واحتياجاتهم.
  4. الشباب والجيل الجديد
    تمكين الشباب ودمجهم في مواقع القرار، وجعلهم جزءًا من عملية البناء والتنظيم.
  5. المرونة والابتكار

فتح قادرة على مواجهة التحديات الحديثة، والتكيف مع التغيرات الاجتماعية والسياسية، دون التفريط بالمبادئ.

سادسًا: فتح كمشروع وطني مستدام

فتح المستقبل ليست مجرد حركة سياسية، بل مشروع وطني مستدام، قائم على قيم ثابتة، وممارسات متجددة، قادر على:

• حماية الحقوق الفلسطينية.
• الدفاع عن الوحدة الوطنية.
• تقديم نموذج تنظيمي وأخلاقي يحتذى به.
• بناء قاعدة جماهيرية قوية وفاعلة.

إن فتح المستقبل هي فتح التي تحافظ على تراث الشهداء والمبادئ الأولى، وتواكب العصر ومتطلباته، وتبقى دائمًا حاضرة في وجدان الشعب الفلسطيني.

سابعًا: التحديات المتوقعة وكيفية مواجهتها

مع كل الرؤية وخارطة الطريق، يجب أن ندرك أن الطريق ليس سهلاً، وأن هناك تحديات محتملة:

  1. المحافظة على الوحدة
    الانقسامات الداخلية والخارجية قد تهدد المشروع، لذلك يجب تعزيز ثقافة الحوار والتوافق.
  2. التغيرات الاجتماعية والسياسية
    ظهور مطالب جديدة من الشباب والمجتمع المدني يتطلب تحديث السياسات والخطاب.
  3. الضغوط الاقتصادية والاجتماعية
    الأزمات الاقتصادية والفقر المستمر تتطلب دورًا أكبر للحركة في التنمية والخدمات.
  4. التحديات الإقليمية والدولية

تغير موازين القوى الإقليمية والدولية يتطلب مرونة سياسية واستراتيجية دقيقة.

الاستعداد لهذه التحديات من خلال التخطيط المسبق والقيادة الحكيمة هو مفتاح النجاح.

خاتمة

فتح التي نريد للأعوام القادمة هي فتح الوطن والمشروع والقيم قبل كل شيء، فتح القاعدة والشعب قبل المناصب، فتح الفكرة الوطنية قبل المصالح الفردية. هي حركة تعود إلى جذورها، وتستعيد القيم التي حلم بها الشهداء، وتواكب العصر بما يتطلبه من تجديد ومرونة، وتضمن الشفافية والعدالة، وتعزز الوحدة الوطنية والشراكة مع كل الفصائل والقوى الوطنية.


خارطة الطريق المستقبلية تقوم على التشخيص، الإصلاح الداخلي، التمكين الجماهيري، التجديد السياسي والإعلامي، وتعزيز الشراكة والوحدة. وعبر هذه الرؤية، يمكن لفتح أن تبقى الحاضنة الوطنية لمشروع الحرية والاستقلال، وأن تستعيد ثقة الشعب، وتثبت أن المستقبل سيكون لحركة وطنية قوية، متجددة، وملتزمة بالقيم التي أسستها منذ الانطلاقة.


فتح للأعوام القادمة ليست مجرد تنظيم، بل مستقبل فلسطين نفسه.

شاهد أيضاً

اسعار الذهب اليوم

اسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت اسعار الذهب اليوم السبت 31 يناير كالتالي :عيار 22 101.700عيار 21 97.000