5:44 مساءً / 31 يناير، 2026
آخر الاخبار

عالم مخربش (حين تفقد الحروب معناها ويتحول النظام الدولي إلى تخبط وفوضى) بقلم : سالي أبو عياش

عالم مخربش (حين تفقد الحروب معناها ويتحول النظام الدولي إلى تخبط وفوضى) بقلم : سالي أبو عياش


بات اليوم الواقع الدولي غير قابلاً للفهم وفقاً للمنطق الذي حكم العلاقات الدولية لعقود طويلة. فالنظام الذي قام على توازنات واضحة وقواعد يفترض أنها منظمة للسلوك الدولي دخل مرحلة تفكك عميق، اتسمت بتداخل الصراعات وازدواجية المعايير وغياب المرجعيات الملزمة.


فما نشهده اليوم ليس اضطراباً عابرا، بل تحولاً بنيوياً في طبيعة النظام الدولي، حيث يجري تفريغ القواعد من مضمونها واستبدالها بإدارة الأزمات بدل حلها، ويبدو أن الأولويات العالمية باتت تركز على ضبط الأزمات لا معالجتها، وتحويل القوة إلى وسيلة ضغط سياسي أكثر من كونها أداة حسم.


منذ سنوات والعالم يعيش حالة سيولة استراتيجية متصاعدة؛ فلم تعد الحروب تعلن وفق نماذج تقليدية، ولم تعد الأزمات محصورة في جغرافيا بعينها. الحرب في اوكرانيا، العدوان المستمر على غزة، التوتر في البحر الاحمر، التصعيد بين إيران وإسرائيل، والاحتكاك المتواصل بين الصين والولايات المتحدة، كلها ملفات تبدو منفصلة ظاهرياً لكنها مترابطة ضمن بنية دولية واحدة تعاني خللاً بنيويا. هذا الواقع يطرح تساؤلاً مركزياً: هل نحن أمام تعدد أزمات مستقلة، أم أمام أزمة نظام دولي واحد يتشظى في أكثر من ساحة، أم أن الأمر مجرد مرحلة تحضير لهيكلة جديدة لم يتم الإعلان عنها بعد؟


أحد أخطر مظاهر هذا الاختلال يتمثل في التراجع الحاد لفاعلية القانون الدولي؛ فالقانون الذي يفترض أن يشكل مرجعية ملزمة تحول إلى أداة انتقائية تستخدم وفقاً لمصالح القوى المهيمنة. القرارات الأممية تصدر دون تنفيذ، والتقارير الحقوقية تتراكم دون أثر سياسي، فيما تبقى آليات المحاسبة معطلة حين يكون الطرف المنتهك محمياً سياسياً.
فكيف يمكن الحديث عن نظام دولي قائم على القواعد في ظل غياب الإلزام؟


ومن يملك سلطة تفسير القانون حين تختلط العدالة بمصالح القوة، ويصبح الانحياز السياسي معياراً أكثر تأثيراً من نصوص الشرعية الدولية؟


في هذا السياق تبرز فلسطين، وتحديداً قطاع غزة، بوصفها المؤشر الأوضح على هذا الخلل البنيوي. فالتعامل الدولي مع ما يجري في غزة لم يكشف فقط حجم الانحياز السياسي، بل أظهر عجز المنظومة الدولية عن القيام بوظيفتها الأساسية. لم تعد غزة مجرد ساحة صراع محلية، بل تحولت إلى اختبار فعلي لمصداقية النظام الدولي ذاته، حيث تسقط المبادئ عند أول تعارض مع الحسابات السياسية، وتصبح حماية المدنيين مسألة خاضعة للتوازنات لا للقانون.


ويتجلى هذا العجز بشكل أكثر وضوحاً عند التوقف أمام ما يسمى بمجلس السلام، الذي يفترض به لعب دور في التهدئة ومنع التصعيد، لكنه يبدو اليوم كياناً بلا قيمة سياسية حقيقية. فوجود هذا المجلس لم يمنع سقوط تسعة وعشرين شهيداً في غزة خلال يوم واحد وفي مناطق متفرقة، وهو ما يعد تصعيداً ميدانياً واضحاً لا يمكن فصله عن السياق السياسي القائم. الأهم من العدد هو دلالة التوقيت، إذ يجري هذا التصعيد في ظل الحديث عن حكومة تكنوقراط، وإعادة ترتيب المشهد الإداري، وصناعة معبر رفح مجدداً ضمن ترتيبات إقليمية ودولية.


فأي سلام يمكن الحديث عنه بينما يستمر القتل اليومي؟ وأي جدوى لمجالس وحكومات لا تمتلك القدرة على وقف العدوان أو الحد منه؟


إن استمرار التصعيد في ظل هذه الأطر يكشف أنها لا تعمل كأدوات ضغط، بل كأغلفة سياسية لإدارة الصراع وتدويره، وتحويله إلى ملف قابل للاستهلاك السياسي أكثر من كونه نزاعاً إنسانياً حقيقيا.


كما فقد النظام الدولي قدرته على الفصل بين المحلي والدولي. فما يجري في غزة لم يبق محصورا داخل حدودها الجغرافية، بل امتدت تداعياته إلى حركة الملاحة الدولية، وأسواق الطاقة، والتوازنات الإقليمية. هذا التشابك يعكس طبيعة الصراعات المعاصرة التي لم تعد عسكرية فقط، بل اقتصادية وأمنية وسياسية في آن واحد، حيث تحولت سلاسل الإمداد والغذاء والطاقة إلى أدوات ضغط ضمن معارك النفوذ، وتحولت القرارات العسكرية إلى رسائل سياسية موجهة لكل الأطراف المعنية.


ويزداد المشهد التباساً عند التوقف أمام ما جرى تداوله حول إبلاغ دونالد ترامب لإيران بموعد الهجوم المتوقع يوم الأحد، وهو يوم عطلة رسمية في الولايات المتحدة. بغض النظر عن دقة الرواية، فإن دلالتها السياسية بالغة الخطورة. فالحرب، بمعناها الكلاسيكي، تقوم على المفاجأة وكسر إرادة الخصم، أما حين تبلغ الأطراف بعضها البعض بتوقيت الضربات أو نطاقها، فنحن أمام نمط مختلف تماماً من الصراع. أين عنصر المفاجأة في مواجهة يجري التلويح به إعلامياً قبل وقوعها؟ وأي صراع هذا الذي يحدد توقيته بما لا يربك الداخل الامريكي ولا يخرج عن حسابات الأسواق والتحالفات؟


من هنا، يصبح من الصعب توصيف ما يجري بأنه حرب حقيقية. ما نشهده أقرب إلى مسرح عمليات سياسي، تستخدم فيه الضربات كرسائل تفاوض لا كوسائل حسم. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل عنصر عدم اليقين المرتبط بشخصية ترامب نفسه، فهو فاعل غير قابل للتوقع، تتغير حساباته بسرعة، ويخلط بين السياسة والاستعراض، وبين الردع والمغامرة. هذا التناقض يجعل المشهد أكثر خطورة، إذ يجتمع فيه ضبط التصعيد من جهة، واحتمال الانفلات من جهة اخرى.


في ظل هذا الواقع، يشهد النظام الدولي تراجعاً واضحاً في القدرة على القيادة. فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض نموذج مستقر، والقوى الصاعدة لم تنجح في تقديم بديل متكامل، ما خلق حالة فراغ استراتيجي تتحرك فيها الدول وفق حسابات قصيرة المدى. هذه الحالة لا تنتج نظاماً جديدا، بل تعمق اللايقين وتؤسس لفوضى مدارة لا لحلول جذرية، وتحول السياسة إلى لعبة حسابات متغيرة لا يمكن التنبؤ بنتائجها.


في المحصلة، تكشف القضية الفلسطينية طبيعة المرحلة الدولية الراهنة. فهي ليست ملفاً إنسانياً ولا نزاعاً مؤجلا، بل معياراً كاشفاً لبنية النظام الذي يتشكل، حيث يبرز التناقض بين ما يعلن عن السلام وما يحدث على الأرض.


ليتحول السؤال من الحدث عن استقرار العلاقات الدولية، إلى من سيدفع ثمن هذا التفكك، ومن سيكتب قواعد المرحلة المقبلة، وفي أي عالم سنستيقظ إذا استمر هذا الانهيار دون مساءلة أو ضبط حقيقي للفاعلين.

شاهد أيضاً

أسعار الذهب اليوم

أسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم السبت 31 يناير كالتالي : سعر أونصة الذهب عالمياً …