
نتنياهو أو الدولة ؟ بقلم : حسام بوزكارن
نشرت صحيفة هارتس العبرية تحقيقا مطولا تضمن شهادات على لسان غابي فيكر، الصديق المقرب لبنيامين نتنياهو منذ الطفولة، وأحد أكثر المطلعين على حياته الخاصة والسياسية. بعد سنوات من الصمت، قال فيكر إنه لم يعد قادرا على السكوت، محذرا من أن رئيس الحكومة الإسرائيلية يقود إسرائيل نحو الخراب بدافع البقاء الشخصي فقط. بحسبه، نتنياهو الذي يعرفه اليوم شخص مختلف جذريا عن نتنياهو التسعينيات، فقراراته محكومة بالخوف والهوس بالبقاء في الحكم حتى بات “غصن شجرة تجرفه السيول بلا سيطرة” على حد تعبير فيكر.
تمثل هذه الشهادات مدخلا أساسيا لفهم ما أراه مشروع بقاء نتنياهو، وهو مشروع بات يقدم على مصلحة الكيان الصهيوني. فعندما يصرح شخص مقرب من نتنياهو بأن رسالته لم تعد إسرائيل بل نتنياهو نفسه، فإننا أمام تحول خطير.
هذا التصريح دفعني إلى التساؤل عما إذا كانت الأحداث الجارية بعد السابع من أكتوبر تندرج فعلا ضمن مشروع دولة، حتى وإن كانت إسرائيل دولة غير طبيعية في بنيتها، أم أننا أمام مشروع بقاء شخصي، تسخر فيه الدولة ومؤسساتها لخدمة هواجس قاتل مجنون ومأزوم سياسيا وأخلاقيا.
يعد نتنياهو أول رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل يلاحق بتهم جنائية وهو في منصبه، إذ وجهت إليه سنة 2019 تهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة. غير أن منتقديه في الساحة السياسية يرون أن ما يجري لحظة تمكن فيها النظام أخيرا من اللحاق بسياسي لا يرحم، مهووس بالسلطة وبالظهور العام، ومستعد لفعل أي شيء من أجل البقاء في الحكم. ومن بين الخطوات التي أقدم عليها نتنياهو إقالة أعضاء من لجنة تعيين كبار المسؤولين في الحكومة ومؤسسات الدولة، في مسار يعكس سعيا للسيطرة على مفاصل التعيين، وفتح المجال أمام تعيينات قائمة على الولاء الشخصي والقرابة، ضمن مشروعه الذي يهدف إلى إحكام النفوذ على الجهاز التنفيذي ومنع أي جهة من الاعتراض أو الرقابة. حيث يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي مهند مصطفى أن هذه الخطوة تأتي في إطار مساعي الحكومة للسيطرة على مفاصل الدولة واللجان الهامة فيها، وأن لجنة تعيين تعد لجنة محورية تهدف إلى المصادقة على تعيينات الحكومة في المواقع الحساسة، بما فيها قيادات الأجهزة الأمنية.
وإضافة إلى ما سبق، فتح نتنياهو على نفسه باب الجحيم حين قرر ضرب السلطة القضائية، ممثلة في المحكمة العليا، في خطوة اعتبرها كثيرون انقلابا على أسس الديمقراطية الإسرائيلية، وتهدف إلى إضعاف النظام القضائي وتجريده من قدرته على الرقابة، بما يتيح له الهروب من تهم الفساد التي تلاحقه. كما يناور نتنياهو في ملف التحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر، متجنبا تشكيل لجنة تحقيق رسمية، في وقت نفى فيه يائير لابيد أي تنسيق مع الحكومة. هذا التردد يعكس خوفا واضحا من الدور الذي قد يلعبه رئيس المحكمة العليا في تحديد تركيبة اللجنة، بعد الصدام الطويل مع السلطة القضائية. وفي خطوة مفاجئة وصادمة، طرح رئيس الائتلاف الحكومي النائب أوفير كاتس من حزب الليكود، إلى جانب رئيس لجنة القانون والدستور في الكنيست سيمحا روتمان من حزب الصهيونية الدينية، وعضو الكنيست ميشيل بوسكيلا من حزب اليمين الرسمي، مشروع قانون يقضي بإلغاء مخالفتي الاحتيال وخيانة الأمانة، وهما من بين التهم المركزية الواردة في لائحة الاتهام الموجهة لنتنياهو، في محاولة فاضحة لتفصيل القانون على مقاس شخص واحد، وتحويل الكنيست إلى أداة لحماية رئيس حكومة متهم بجرائم فساد ثقيلة. والمفارقة أن نتنياهو، الذي أسقط إيهود أولمرت بالتهم نفسها ورحب بسجنه، يرفض اليوم هذه التهم ذاتها حين باتت تطاله شخصيا.
كما يعتمد نتنياهو على شبكة تعيينات مباشرة وغير مباشرة لخدمة مشروعه الشخصي في التحكم بمفاصل الحكم، وهو ما فضحه برنامج عوفدا الاستقصائي على القناة 12 الإسرائيلية، كاشفا حجم النفوذ الذي تمارسه زوجته داخل مؤسسات الكيان وتأثيرها في مسارات القرار. إضافة إلى ابنه يائير نتنياهو الذي وصفته صحيفة ذا مارك الإسرائيلية بأن له دورا مركزيا في منظومة الدعاية الخاصة بوالده المجرم. وأرييه درعي المتهم بالفساد والذي فصل قانون درعي 2 على مقاسة حتى يتمكن من العودة كوزير للداخلية، لكن المحكمة العليا أجبرت نتنياهو على إقالته، والإقالة راجعة إلى تهم الفساد التي تلاحقه. ورون ديرمر الذي يعتبر رفيق نتنياهو وعلبته السوداء، وقال وعنه عضو الكابينت السابق غادي ايزنكوت “إن نتنياهو يدير الكابينت بدكتاتورية ولا يستمع إلى لديرمر”. وأكمل نتنياهو سيطرته على المؤسسة العسكرية من خلال تعيينه كلا من كاتس كوزير دفاع، وإيال زامير رئيسا للأركان، وأقال كلا من يواف غلانت وهرتسي هاليفي، اضافة إلى منح اليمين المتطرف فرصة للانتشار في مؤسسات الدولة. فمهمة نتنياهو لن تكتمل بدون السيطرة على جهاز الأمن الداخلي المعروف بالشاباك، أقال نتنياهو رونين بار رئيسه السابق، وفي مايو 2025، أعلن مكتب نتنياهو عن تعيين ديفيد زيني رئيسا للجهاز، وتم هذا التعيين وسط خلافات بين نتنياهو المستشارة القضائية الإسرائيلية غالي بهاراف ميارا، والتي أوصت بعدم المضي في أي خطوة تتعلق بالتعيين إلى حين صدور حكم من المحكمة العليا بشأن شرعية إقالة رونين بار.
انطلاقا من التعيينات التي طالت مفاصل حساسة في الدولة، تمدد نتنياهو حتى إلى المؤسسة العسكرية، التي كانت تاريخيا عنصر إجماع خارج الصراع الحزبي. لكنه أدخلها عمدا إلى قلب المعركة السياسية، وحولها إلى أداة يستخدمها متى شاء، ملوحا بإطالة أمد الحرب للهروب من أي محاسبة. الأخطر من ذلك أنه يقمع كل صوت يسير خارج خطه، ويعمل على إسكات أي معارضة تهدد مشروعه. ووفقا لتصريحات غافي فيكر، لم يعد نتنياهو يريد إسرائيل، بل يريد نتنياهو نفسه، فمشروعه الشخصي هو ما يهمه، وكل ما عداه قابل للحرق.
الكيان اليوم في مفترق طرق خطير، إما دولة بمؤسسات قادرة على تقييد عربدة نتنياهو، أو سلطة تعاد هندستها على مرأى الجميع.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .