
كلمات ليست كالكلمات ، بقلم : بلقيس عثامنه
الكلمات ذات طابع سحري، تأسر القلوب، تؤثر في الوجدان، وتلامس الخيالات، فتتراقص الروح مؤمنة بالكلمات، واثقة بقائلها، ترتقي إلى ملكوت السعادة، وتصبح حرة لا أسيرة حدودها، فالكلمات قد تكون قوية، رصينة، رقيقة، صادمة، أو تحمل الوهم، فكل الكلمات بطريقة نظمها قادرة على إحداث الأثر، وأكثر القصائد تأثيرًا أكثرها قدرة على لمس جانب في خلجات المتلقي، فهل الكلمات قادرة على بناء العوالم أو هدمها وإفناء الآخر؟
يصور نزار قباني عوالم الكلمات في قصيدته “كلمات” التي تنتشل القلب من عالمه إلى عالم من السعادة، فتصبح القوة الشعورية متصلة بقوة الكلمة وقدرتها على التعبير عن هذا الفيض، وهذا الأسلوب الرصين في رصف الكلمات لإيصال الفكرة التي يريد، فمطلع القصيدة يحمل هذا الفيض الذي يستشعره المتلقي منذ اللقاء الأول مع القصيدة، بعد العنوان:
يسمعني.. حـين يراقصني كلماتٍ ليست كالكلمات
هنا تحمل الكلمات سلطة أخرى، قوة مختلفة، فهي ترافق الرقص، وبالتالي سيكون الشعور المرافق لهذه الكلمات الرقيقة شعورا عاليا من السعادة والرضا والمحبة، وبالتالي سيكون العالم في عينيها عالما من نشوة الحضور، ورقة اللقاء، يتراقص بالموسيقا، ويهذي مع هذيان الرقص، وللكلمات هنا قوة خاصة، ومعان تسمو إلى فضاء الروح:
يأخذني من تحـت ذراعي يزرعني في إحدى الغيمات
والمطـر الأسـود في عيني يتساقـط زخاتٍ.. زخات
يحملـني معـه.. يحملـني لمسـاءٍ وردي الشـرفـات
وأنا.. كالطفلـة في يــــده كالريشة تحملها النسمـات
ما أجمل هذا العالم، الذي تصوره الذات للمتلقي، إنه شعور بالحب، ورقة الحضور، فذهبت من عالمها إلى عالم آخر، بقوانين خاصة، ترافق الشعور، فالإنسان عندما يؤمن بآخر، ويثق بكلماته يتراءى له العالم بحضور مختلف، وبمشاعر يختبرها لأول مرة، فيكون المساء وردي الشرفات، والمطر يتساقط في هذا المساء رقيقًا، وتصبح هذه الذات طفلة صغيرة، خفيفة كريشة؛ لأنها تشعر بالحب، وتثق بهذا الحضور البهي لهذا المحبوب.
يحمـل لي سبعـة أقمــــارٍ بيديـه وحزمـة أغنيـات
يهديني شمسـاً.. يهـديني صيفاً.. وقطيـع سنونوات
يخـبرني.. أني تحفتـه وأساوي آلاف النجمات
وبأنـي كنـزٌ… وبأني أجمل ما شاهد من لوحات
بعد فيض الشعور الذي لامس روحها وغير العالم من حولها، وجعل لها منطقها الخاص، وحضورها الملفت، انتقلت لتخبر عن هذه الكلمات ومضامينها، فنحن نتنقل مع “كلمات” من شعورها الخاص إلى الكلمات التي ولدت هذا الشعور وأيقظت أماكن لم تختبر من قبل، يمكن الآن أن نقرأ شعورها من خلال كلماته، فالكلمات متحايلة قادرة على سبر أغوار الإنسان، واستنطاق روحه، أو استحضار وجدانه، أو إرساله بعيدًا.
تحمل كلماته المعاني الخاصة التي تجعل من هذه المرأة إنسانة فريدة، فتشعر باختلافها وتميزها، وبالتالي ترضي ذاتها وغرورها، بأنها تمتلك حضورًا خاصًا، وكيانًا لافتًا، وروحًا حيّة، فتشعر بنشوة الاختلاف، ويزيد من قوة كلماته، ومن سطوة سحره عليها باتسخدام الألفاظ المنمقة المرتبطة بالشعور، فيتيغر مفهوم الزمن لديها وتصبح دقائق الرقص ساعات وساعات من لذة التميز، وارضاء الغرور بالتفرد، فتشعر بأنها لا تقدر بثمن، وتساوي آلاف النجمات، براقة، لامعة، مميزة، جميلة، آسرة، فتصبح الشمس بين يديها هدية من هذا المحب الغارق في تميزها، والصيف ليس إلا جزءًا من هذه العطايا الخارقة التي تفوق الزمان وقدرات الإنسان، والتي ترمز إلى لذة الشعور وحضور المعنى في عمق ذاتها.
ما زال هذه الوصف لذيذًا، ينتقل بالمتلقي إلى حضورها الخاص، أنوثتها الطاغية، رقتها الملفتة، وهذه الرقصة الجنونية التي فاقت قوانين الطبيعة، الزمانية والمكانية، وأضحت روحًا من روح هذه الذات الغارقة في بحر الكلمات اللذيذة، والمتجرعة لكوب الألفاظ العذبة المنسوجة بقدة ورقة، لتناسب جمالياتها الخاصة، ولكن:
يروي أشيـاء تدوخـني تنسيني المرقص والخطوات
كلماتٍ تقلـب تاريخي تجعلني امرأةً في لحظـات
يبني لي قصـراً من وهـمٍ لا أسكن فيه سوى لحظات
وأعود.. أعود لطـاولـتي لا شيء معي.. إلا كلمات
شعرت بأنوثتها في لحظات نتيجة هذه الكلمات العذبة التي تلقتها أثناء الرقص، فتغير تاريخها، نسيت نفسها، وذابت روحها في عالم تختبره لمرة أولى، بنى لها قصرًا فكانت الملكة له، توجت نفسها، لكن.. ظهر القصر على أنه وهم، فلم تسكنه إلا لحظات، وهنا عاد الزمن إلى وتيرته الطبيعية بعد أن أفاقت من لذة الشعور وسطوة الكلمات، فوجدت نفسها في واقعها من جديد، لا تمتلك في هذه اللحظة إلا كلمات!
لست في مقام تحليل القصيدة وتفكيك جزئياتها، ولكن رغبتي تكمن في تسليط الضوء على قوة الكلمات، وأثرها في النفس، فلكل كلمة أثر بالغ، تبني قصرًا أو تهدم حلمًا، تترك ندبًا في الروح لا تفنى، أو تغرس الأزهار وترمم الجراح، لذا فالكلام سلاح من أسلحة الإنسان، قادر على توظيفه للخداع، أو للإيمان، فما أعذب الكلمات! وما أقوى سحرها!
ولو فكرنا في بعد فلسفي وجودي، لحضر إلى أذهاننا أن النظم وتخير الكلمات، وربط الألفاظ ما يخلق الأثر، ويعطي سلطة لإنسان على آخر، وما يبني الآفاق، أو يولد الشعور، وبالتالي فالكلمة قوة، وتخيرها ومعرفة المحمولات الدلالية التي تمتلكها في هذا المقام، ما يجعل للاختيار معنى وللإنسان حضورًا، وللكلمة ثقل وجودي، مرتبط بالمتلقي وقوة التأثير فيه.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .