12:51 صباحًا / 30 يناير، 2026
آخر الاخبار

المعاهدات الإبراهيمية: تفكيك الجغرافيا باسم السلام وتدجين العقيدة باسم الإيمان ، بقلم : مصطفى عبدالملك الصميدي

المعاهدات الإبراهيمية: تفكيك الجغرافيا باسم السلام وتدجين العقيدة باسم الإيمان ، بقلم : مصطفى عبدالملك الصميدي

لقد وُلد مصطلح “المعاهدات الإبراهيمية” عام 2020 في قلب الإدارة الأمريكية خلال ولاية دونالد ترامب، وصيغ سياسياً على يد فريقه، وعلى رأسه جاريد كوشنر، لا بطبيعته نتاجاً لحوار ديني أو مسار سلام، وإنما ليكون عنواناً رمزياً لمشروع تطبيع واسع تقوده واشنطن ويخدم بالأساس الكيان الصهيوني. لم تكن التسمية بريئة؛ إذ جرى استدعاء النبي إبراهيم عليه السلام كمرجعية جامعة، بهدف نزع الصراع من سياقه الاستعماري وإعادة تأطيره سردياً بوصفه خلافاً دينياً قابلا للتسوية.

أولًا: البعد السياسي – إعادة ترسيم الشرق الأوسط بوصفه فضاءً وظيفياً للهيمنة

إن مشروع المعاهدات الإبراهيمية في سياقه الحقيقي يهدف إلى إنتاج الهيمنة الأمريكية–الصهيونية الناعمة في الشرق الأوسط، كمرحلة ثانية من تنشيط الاحتلال غير المباشر عبر تفكيك القضايا المركزية وإعادة تقسيم المقسم وتعريف مفهوم السلام وفقا لمعايير ديمقراطية حديثة. هذا النمط الحديث من الحروب يعد أكثر خبثاً وفاعلية من الهيمنة الصلبة: إدارة الإقليم من خلال إعادة ترتيب وعيه السياسي وتحويل الصراع من مواجهة مع كيان استعماري إلى شبكة علاقات اقتصادية وأمنية، تُدار فيها التناقضات بدل حسمها، إذ تُقدَّم إسرائيل – صانعة الأزمات – كركيزة استقرار وتُستبدل مركزية القضية الفلسطينية بمنظومات بديلة: “التنمية”، “الاستثمار”، “الأمن المشترك”. وهكذا، تُنزَع عن فلسطين صفة القضية التحررية، وتُختزل إلى عبء سياسي أو ملف إنساني قابل للتأجيل والتدوير.

أما إسرائيل فهي المستفيد الأكبر من هذه المعادلات الجديدة: شرعنة بلا انسحاب، واعتراف بلا ثمن، واندماج بلا مُساءلة تاريخية، فيما تفكك الإجماع العربي، وتحولت الهزيمة من واقع سياسي إلى قناعة ذهنية ومن مأساة تاريخية إلى خيار عقلاني. إن ما يجري ليس سلاماً، بل إعادة توزيع للشرعية في الإقليم: تُمنح لإسرائيل، وتُسحب من المقاومة، وتُفرغ الدولة الوطنية من مضمونها السيادي لتتحول إلى وحدة وظيفية في منظومة تقودها واشنطن وتديرها تل أبيب.

ثانياً: البعد الديني – تسليع المُقدّس وصناعة دين بلا موقف

الأخطر من البعد السياسي، هو الاستثمار الديني الوقح في تسمية هذه المعاهدات بالإبراهيمية. فإبراهيم عليه السلام لا يُستدعى هنا نبياً موحِّداً، بل رمزاً مُفرَّغاً من مضمونه الرسالي، يُعاد تدويره لتسويق مشروع تطبيع شامل مع الظلم. إذ تُطرح “الإبراهيمية” كدينٍ جامع، لا باعتبارها جذراً توحيدياً انتهى إلى رسالات متمايزة، وإنما كمنصة لدمج العقائد وتذويب الفوارق وتعليق مفهوم الحق والباطل. وفي هذا المسار، يجري اختزال الدين إلى أخلاقيات عامة، بلا تشريع، بلا موقف، بلا صراع مع الطغيان.

واللافت – بل الفاضح – هو التهميش المتعمّد لمركزية رسالة النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام بالتدريج، الرسالة التي جاءت خاتمةً وحاكمة، لا امتداداً ثقافياً محايداً. فالإسلام، في جوهره، ليس مجرد رواية ضمن “التراث الإبراهيمي”، بل تصحيح في المعتقد الديني، وموقف أخلاقي، وانحياز صريح للعدل في مواجهة الظلم. فتجاهل هذه الحقيقة ليس سهواً معرفياً، بل قراراً أيديولوجياً؛ لأن الرسالة المحمدية تُفشل مشروع الدين المُروَّض، وتُبقي على البعد الاحتجاجي للدين بوصفه قوة مُساءلة لا أداة تهدئة. وهكذا، يُراد للدين أن يتحول إلى غطاء رمزي للهيمنة، وإلى خطاب مصالحة مع الاحتلال، لا ميزاناً للحكم عليه. دين بلا شريعة، بلا موقف، بلا مقاومة، ودين صالح للتطبيع لا للعدل والحق.

خلاصة، المعاهدات الإبراهيمية ليست سلاماً بقدرما هي مشروعاً مزدوجاً لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية، وتدجين الوعي الديني على حد سواء. سلام يُدار لصالح الأقوى، ودين يُعاد تعريفه ليصمت عن الاحتلال. إنها هيمنة بلسان السلام وتطبيع بعباءة الإيمان.

  • – مصطفى عبدالملك الصميدي – اليمن

شاهد أيضاً

جيانغ بين

الصين تحذر من عودة النزعة العسكرية اليابانية

شفا – حذّر متحدث باسم وزارة الدفاع الوطني الصينية، اليوم الخميس، من العودة لمسار النزعة …