3:50 مساءً / 28 يناير، 2026
آخر الاخبار

فتح التي تحمي المشروع الوطني لا المصالح الشخصية ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

فتح التي تحمي المشروع الوطني لا المصالح الشخصية ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

(المقال السابع والعشرون من سلسلة مقالات “أي فتح نُريد”)

الفصل بين التنظيم والمصالح

مقدّمة

تشكّل حركة فتح أحد أعمدة المشروع الوطني الفلسطيني، وقد ارتبط اسمها تاريخيًا بالكفاح، والتضحية، وبناء الهوية الوطنية الجامعة. غير أن التحديات التي واجهتها الحركة خلال مسيرتها الطويلة، ولا سيما بعد دخولها معترك السلطة وإدارة الشأن العام، أفرزت إشكالية عميقة باتت تؤرق القاعدة التنظيمية والشارع الفلسطيني على حد سواء، وهي تداخل المصالح الشخصية مع العمل التنظيمي.

ومن هنا يبرز سؤال جوهري: أي فتح نريد اليوم؟ هل نريد فتح التي تحمي المشروع الوطني، وتقدّم المصلحة العامة على كل اعتبار؟ أم فتح التي تُختزل في مواقع ونفوذ ومكاسب فردية تُضعف التنظيم وتشوّه رسالته؟ إن الفصل بين التنظيم والمصالح الشخصية لم يعد مسألة أخلاقية فقط، بل ضرورة وطنية وتنظيمية لإنقاذ الدور التاريخي لفتح.

أولًا: فتح كمشروع وطني جامع

منذ انطلاقتها، لم تُبنَ فتح على أساس فئوي أو طبقي أو جهوي، بل قدّمت نفسها إطارًا وطنيًا جامعًا، يلتف حوله الفلسطينيون على اختلاف خلفياتهم. وكان المشروع الوطني هو البوصلة التي توجّه القرار، وتحدّد الأولويات، وتضبط السلوك التنظيمي.

هذا المشروع قام على:

• التحرر من الاحتلال.
• حماية الهوية الوطنية.
• تمثيل الإرادة الشعبية الفلسطينية.
• تقديم التضحيات دون انتظار مقابل شخصي.

وحين كانت هذه القيم حاضرة، استطاعت فتح أن تحافظ على مكانتها ودورها، وأن تبني ثقة الناس بها.

ثانيًا: من التنظيم إلى المصالح… أين بدأ الخلل؟

لم ينشأ تداخل المصالح الشخصية مع العمل التنظيمي من فراغ، بل جاء نتيجة تحولات موضوعية وذاتية، أبرزها:

• الانتقال من حركة تحرر إلى حركة تقود سلطة.
• غياب الضوابط الصارمة بين الموقع التنظيمي والموقع الوظيفي.
• ضعف المحاسبة الداخلية.
• تغليب الولاءات الشخصية على الكفاءة والاستحقاق.

هذه العوامل فتحت الباب أمام سلوكيات أضعفت التنظيم، وجعلت بعض المواقع التنظيمية تُستخدم كوسيلة لتحقيق مكاسب شخصية أو حماية نفوذ، بدل أن تكون أداة لخدمة المشروع الوطني.

ثالثًا: خطورة تسييس المصالح الشخصية

حين تتحول المواقع التنظيمية إلى أدوات لتحقيق مصالح فردية، فإن الخطر لا يقتصر على تشويه صورة فتح، بل يمتد ليضرب جوهر المشروع الوطني. ومن أبرز هذه المخاطر:

  1. تآكل الثقة الشعبية بالحركة وقياداتها.
  2. إضعاف الانتماء التنظيمي لدى الكوادر المخلصة.
  3. تعطيل الكفاءات لصالح المحسوبية.
  4. تحويل الخلاف السياسي إلى صراع مصالح.
  5. تفريغ النضال من مضمونه الأخلاقي.

فالمشروع الوطني لا يمكن أن يُدار بعقلية المكاسب، ولا أن يُحمى بأدوات شخصية ضيقة.
رابعًا: الفصل بين التنظيم والمصالح… ماذا يعني؟

الفصل بين التنظيم والمصالح لا يعني معاداة النجاح الشخصي، ولا تجاهل الواقع المعيشي للكادر الفتحاوي، بل يعني وضع حدود واضحة بين:

• ما هو تنظيمي ووطني.
• وما هو شخصي ووظيفي.

ويعني ذلك:

• أن يكون الموقع التنظيمي تكليفًا لا تشريفًا.
• أن تُتخذ القرارات على أساس المصلحة العامة لا المنفعة الخاصة.
• أن تُدار الخلافات سياسيًا لا اقتصاديًا.
• أن تكون المحاسبة معيارًا ثابتًا لا أداة انتقائية.

فتح التي تحمي المشروع الوطني هي فتح التي تضع هذه الحدود بوضوح وتحترمها.

خامسًا: أثر المصالح على وحدة التنظيم

أحد أخطر نتائج تغليب المصالح الشخصية هو ضرب الوحدة التنظيمية. فحين يُكافأ الولاء الشخصي، ويُهمَّش الرأي المختلف، تتحول الحركة إلى تكتلات ومراكز قوى، يتصارع أصحابها على النفوذ بدل التنافس على خدمة القضية.

هذا الواقع يؤدي إلى:

• انقسامات داخلية صامتة أو علنية.
• شلل في المؤسسات التنظيمية.
• عزوف الكوادر النظيفة عن العمل العام.
• فقدان البوصلة الوطنية.

فتح التي نريدها هي فتح الوحدة على قاعدة المشروع، لا وحدة المصالح المؤقتة.

سادسًا: الدور الأخلاقي للتنظيم

ليست فتح مجرد إطار سياسي، بل مدرسة نضالية وأخلاقية. وقد شكّل البعد القيمي أحد أهم عناصر قوتها وتأثيرها. وعندما تضعف هذه القيم، يفقد التنظيم روحه، حتى لو بقيت هياكله قائمة.

الفصل بين التنظيم والمصالح هو في جوهره:
• استعادة لقيمة النزاهة.
• حماية لفكرة التضحية.
• تأكيد على أن النضال ليس وظيفة.

فتح التي تحمي المشروع الوطني هي فتح التي تعيد الاعتبار للأخلاق التنظيمية، وتجعلها معيارًا للسلوك والممارسة.

سابعًا: القيادة والمسؤولية

تقع على عاتق القيادة مسؤولية مركزية في ترسيخ هذا الفصل. فالقيادة التي تخلط بين موقعها التنظيمي ومصالحها الخاصة تُشرعن هذا السلوك داخل الصف، وتفقد قدرتها على المحاسبة.

القيادة المطلوبة هي قيادة:

• تضرب المثال قبل أن تطالب الآخرين.
• تضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الشخصية.
• تحمي التنظيم من الاستغلال.
• تؤمن بأن الموقع زائل، والمشروع باقٍ.

ثامنًا: المحاسبة كضمانة للفصل

لا يمكن الحديث عن فصل حقيقي بين التنظيم والمصالح دون نظام محاسبة فعّال وعادل. فغياب المحاسبة يفتح الباب أمام التسيّب، ويحوّل القواعد إلى نصوص بلا روح.

وتتطلب المحاسبة:

• آليات واضحة وشفافة.
• استقلالية في اتخاذ القرار.
• مساواة بين الجميع دون استثناء.
• حماية من يكشف الخلل بدل معاقبته.

المحاسبة ليست انتقامًا، بل حماية للتنظيم والمشروع الوطني.

تاسعًا: القاعدة التنظيمية ودورها

تلعب القاعدة التنظيمية دورًا أساسيًا في حماية فتح من الانزلاق نحو المصالح الضيقة. فحين تكون القاعدة واعية، وفاعلة، وقادرة على النقد، تصبح خط الدفاع الأول عن المشروع الوطني.

فتح التي نريدها هي فتح التي:

• تستمع لقاعدتها.
• تحمي حقها في النقد.
• تشركها في القرار.

فالتنظيم القوي لا يُدار من أعلى فقط، بل يُحمى من أسفل أيضًا.

خاتمة

إن فتح التي تحمي المشروع الوطني لا المصالح الشخصية هي فتح التي تدرك أن قوتها الحقيقية لا تكمن في المواقع ولا في النفوذ، بل في صدقيتها، ووحدتها، والتزامها بقيمها التأسيسية. والفصل بين التنظيم والمصالح ليس شعارًا إصلاحيًا، بل شرطًا لبقاء فتح حركة تحرر وطني، لا جهاز مصالح.
في لحظة تاريخية حرجة، تحتاج فتح إلى شجاعة المراجعة، وإرادة الإصلاح، والعودة إلى الأصل: إلى تنظيم يُضحّي من أجل المشروع، لا مشروع يُستنزف من أجل الأفراد. فالمصالح تزول، أما المشروع الوطني، إن حُمِي وصين، فيبقى.

شاهد أيضاً

نيابة عن الرئيس: سفير فلسطين لدى روسيا يكرم سيرغي بابورن بــ"وسام لجنة القدس"

نيابة عن الرئيس: سفير فلسطين لدى روسيا يكرم سيرغي بابورن بــ”وسام لجنة القدس”

شفا – نيابة رئيس دولة فلسطين محمود عباس، قلّد سفير دولة فلسطين لدى روسيا عبد …