1:23 مساءً / 28 يناير، 2026
آخر الاخبار

ما بعد الضربة الأولى: كيف تُدار الصراعات في غرف السياسة لا في الميدان ، بقلم : محمد زيات

ما بعد الضربة الأولى: كيف تُدار الصراعات في غرف السياسة لا في الميدان ، بقلم : محمد زيات

مقدمة

غالبًا ما تُختزل الصراعات المعاصرة في مشاهد الضربة الأولى: صاروخ، عملية عسكرية، أو تحرك ميداني مفاجئ يُعتقد أنه لحظة الحسم، غير أن التجربة السياسية خلال العقود الأخيرة تشير إلى أن هذه اللحظة، مهما بدت صاخبة نادرًا ما تكون نقطة الفصل، فالصراعات لا تُدار فقط في ساحات المواجهة، بل تُعاد صياغتها وتوجيه مساراتها في غرف السياسة، حيث تتقدم الحسابات الاستراتيجية على منطق القوة المباشرة، ويصبح القرار السياسي هو المحدد الفعلي لشكل الصراع وحدوده ونهاياته المحتملة.

الضربة الأولى: بين الرسالة والنتيجة

في التحليل السياسي، لا تُقرأ الضربة الأولى بوصفها فعلًا عسكريًا صرفًا، بل باعتبارها رسالة مركبة، فهي قد تهدف إلى الردع، أو اختبار ردود الفعل، أو إعادة ترتيب قواعد الاشتباك، أكثر مما تهدف إلى تحقيق نتيجة نهائية، فهناك الكثير من الصراعات بدأت بضربات قاسية، لكنها لم تُنهِ المواجهة، بل فتحت مسارًا جديدًا للتفاوض غير المعلن، أو فرضت إيقاعًا سياسيًا مختلفًا.


إن الضربة الأولى بهذا المعنى، لا تُقاس بمدى الخسائر التي تُحدثها، بل بقدرتها على التأثير في حسابات الأطراف الأخرى: فهل ستؤدي إلى التصعيد أم الاحتواء؟ وهل ستدفع نحو التهدئة أم توسيع دائرة الصراع؟ هذه الأسئلة لا تُجاب في الميدان، بل في مراكز القرار.

من الميدان إلى السياسة: أين تُحسم المعادلات؟

الانتقال من الفعل الميداني إلى القرار السياسي هو السمة الأبرز للصراعات الحديثة. فالميدان، مهما كان حضوره قويًا، يبقى مساحة تنفيذ، بينما السياسة هي مساحة الاختيار. في غرف السياسة تُوزن الخيارات: إلى أي مدى يمكن الاستمرار؟ ما هي الكلفة المقبولة؟ وكيف يمكن الحفاظ على هامش المناورة دون الانزلاق إلى مسارات غير محسوبة؟


هذا التحول لا يعني تهميش العامل العسكري، بل إدخاله ضمن منظومة أوسع من الاعتبارات، تشمل الاقتصاد، والعلاقات الدولية، والرأي العام، والتوازنات الإقليمي، وغالبًا ما يُعاد تعريف “النجاح” في الصراع وفق هذه المنظومة، لا وفق معيار السيطرة الميدانية وحده.

إدارة الصراع لا حسمه

من الملاحظ أن كثيرًا من الدول لم تعد تسعى إلى حسم الصراعات بشكل كامل، بل إلى إدارتها، إدارة الصراع تعني إبقاءه ضمن حدود يمكن التحكم بها، ومنع تحوله إلى مواجهة شاملة ذات كلفة عالية، إن هذا النهج يسمح للأطراف المختلفة بتحقيق بعض أهدافها، دون تحمل تبعات الحسم النهائي.


وإن إدارة الصراع تعتمد على أدوات متعددة منها: تفاهمات غير معلنة، خطوط اتصال خلفية، رسائل متبادلة عبر وسطاء، وحتى فترات تصعيد محسوبة يعقبها هدوء نسبي، في هذا السياق، تصبح السياسة فن ضبط الإيقاع، لا السعي إلى الضربة القاضية.

الإعلام والدبلوماسية: جبهات موازية

لا يمكن فهم إدارة الصراعات دون التوقف عند دور الإعلام والدبلوماسية، فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح أداة لصياغة السردية وتوجيه الإدراك العام، فاختيار المصطلحات، وتوقيت التصريحات، وطبيعة الرسائل الموجهة للجمهور الداخلي والخارجي، كلها عناصر تؤثر في مسار الصراع.


أما الدبلوماسية، فتعمل غالبًا في الظل، حيث تُطرح سيناريوهات التهدئة والتصعيد، وتُختبر نوايا الأطراف المختلفة، وفي كثير من الأحيان، تكون النتائج الدبلوماسية أكثر تأثيرًا من الإنجازات الميدانية، لأنها ترسم الإطار الذي يتحرك ضمنه الصراع لاحقًا.

الزمن كسلاح استراتيجي

أحد أكثر الأدوات فعالية في إدارة الصراعات هو الزمن، فإطالة أمد الصراع قد تكون خيارًا استراتيجيًا، يُستخدم لاستنزاف الخصم، أو لانتظار تغيرات في البيئة السياسية الدولية أو الإقليمية، حيث إن الزمن يسمح بإعادة ترتيب الأولويات، وبناء تحالفات جديدة، وتخفيف الضغوط أو نقلها إلى الطرف الآخر.


في هذا الإطار، لا يُنظر إلى الجمود بوصفه فشلًا، بل أحيانًا كحالة محسوبة تُدار بعناية، فالصراع المجمّد قد يكون أقل كلفة من صراع مفتوح، وأكثر قابلية للتوظيف السياسي.

حدود القوة المباشرة

تُظهر تجارب عديدة أن الاعتماد المفرط على القوة المباشرة يحمل مخاطر كبيرة، فالتصعيد غير المحسوب قد يؤدي إلى توسيع دائرة الصراع، أو استدعاء أطراف جديدة، أو فرض ضغوط دولية غير مرغوبة، وهذا ما يبرر ميل غرف السياسة إلى كبح الاندفاع الميداني عندما يتعارض مع الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى.


أما القوة في هذا السياق، تُستخدم كأداة ضمن حزمة أدوات، لا كحل وحيد، ويجري توظيفها بطريقة انتقائية، تُراعي التوازن بين التأثير المطلوب والكلفة المتوقعة.

إعادة تعريف النصر

في الصراعات المعاصرة، لم يعد “النصر” مفهومًا ثابتًا، فبدل السيطرة الكاملة أو الإخضاع التام، أصبح النصر يُقاس بمدى تحقيق الأهداف السياسية الأساسية مثل: الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتعزيز الموقع التفاوضي، أو حتى لمنع الخصم من تحقيق مكاسب حاسمة.


هذا التحول في تعريف النصر يعكس إدراكًا متزايدًا لتعقيد الصراعات، وتشابك عواملها، وهو ما يجعل السياسة، لا الميدان، المرجع النهائي لتقييم النتائج.

وفي الختام…

ما بعد الضربة الأولى ليس فراغًا، بل مساحة تعج بالقرارات والحسابات، ففي تلك المرحلة تنتقل الصراعات من منطق الفعل السريع إلى منطق الإدارة طويلة الأمد، حيث تتقدم السياسة لتعيد رسم حدود المواجهة واتجاهاتها، وبينما يستمر الميدان في لعب دوره، تبقى غرف السياسة هي المكان الذي تُصاغ فيه المعادلات، وتُحدَّد فيه مسارات الصراع، ليس وفق ما هو ممكن عسكريًا فقط، بل وفق ما هو مقبول سياسيًا.


وفي عالم تتزايد فيه التعقيدات، يبدو أن فهم الصراعات يتطلب النظر إلى ما وراء الضربة الأولى، والإنصات لما يُقال — أو لا يُقال — داخل تلك الغرف المغلقة.

شاهد أيضاً

رئيس الصين شي جين بينغ

رئيس الصين شي جين بينغ يرد على رسالة من المحاربين القدامى في حرب التحرير الوطنية في زيمبابوي

شفا – رد الرئيس الصيني شي جين بينغ اليوم الأربعاء على رسالة من المحاربين القدامى …