
ما المتوقع من المؤتمر البحثي الخامس لمعهد الأمن القومي الفلسطيني ؟ بقلم : عبدالرحيم جاموس
ينعقد المؤتمر البحثي الخامس لمعهد الأمن القومي الفلسطيني في رام الله (2–3 شباط/فبراير) في لحظة سياسية ووطنية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها حرب الإبادة المفتوحة على قطاع غزة مع انسداد الأفق السياسي، وتآكل النظام الدولي، وتعميق الاحتلال لسياساته الاستيطانية والضم، فضلًا عن أزمة داخلية فلسطينية مركّبة تمس جوهر النظام السياسي ووحدة التمثيل والقرار.
في هذا السياق، يبرز سؤال «ما المتوقع من هذا المؤتمر؟» بوصفه سؤالًا مشروعًا، بل وضروريًا، شريطة عدم تحميل المؤتمر البحثي ما لا يحتمله من أدوار تنفيذية أو قرارات سيادية، وفهم طبيعته بوصفه فعلًا معرفيًا نقديًا، لا بديلًا عن القرار السياسي.
المتوقع أولًا من المؤتمر هو تقديم تشخيص رصين وعميق للحظة الوطنية الفلسطينية، تشخيص لا يكتفي بوصف مظاهر الأزمة، بل يتناول جذورها البنيوية: أزمة المشروع الوطني، وأزمة النظام السياسي، وأزمة الشرعية، واختلال العلاقة مع الاحتلال، في ظل منظومة دولية أثبتت عجزها البنيوي عن إنفاذ القانون الدولي أو حماية الشعب الفلسطيني.
كما يُنتظر من المؤتمر أن يساهم في إعادة طرح مفهوم الأمن القومي الفلسطيني خارج الإطار الأمني الضيق، بوصفه مفهومًا شاملًا يرتبط بأمن الإنسان، وأمن المجتمع، وأمن الهوية، وأمن القرار السياسي المستقل.
فالأمن، في السياق الفلسطيني، لا يمكن فصله عن التحرر من الاحتلال، ولا عن حماية الحقوق الوطنية، ولا عن صون الكرامة الإنسانية.
ومن المتوقع كذلك أن يُنتج المؤتمر أوراقًا بحثية ودراسات سياسات تُسهم في إثراء النقاش العام، وتوفير بدائل نظرية للتعامل مع المرحلة المقبلة. وهذه المخرجات، وإن لم تكن ملزمة لصنّاع القرار، إلا أنها تشكّل رصيدًا معرفيًا ومرجعية تحليلية يمكن البناء عليها في مراجعة السياسات العامة وتقييم الخيارات الوطنية.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن يشكّل المؤتمر مساحة حوار بين الباحثين والمسؤولين، بما يسمح باختبار العلاقة الإشكالية بين المعرفة البحثية وصناعة القرار السياسي، وقياس المسافة بين التفكير الاستراتيجي ومتطلبات الواقع العملي في ظل الاحتلال والقيود السياسية والأمنية.
ومع ذلك، فإن سقف التوقعات الواقعية يجب أن يبقى منضبطًا.
فالمؤتمر البحثي، مهما بلغت أهميته، لا يمتلك أدوات القرار، ولا يستطيع بمفرده إحداث تحوّل سياسي أو وطني جذري.
غير أن قيمته الحقيقية تكمن في إنتاج الوعي النقدي، وكسر المسلّمات، وإعادة مساءلة الخيارات السائدة، وفتح نقاش جاد حول المسارات التي أوصلت القضية الفلسطينية إلى هذا المأزق التاريخي.
إن المؤتمر البحثي الخامس لمعهد الأمن القومي الفلسطيني يُنتظر منه، في الحد الأدنى، أن يكون صوت العقل في زمن الانفعال، وصوت المعرفة في زمن الفوضى، ومنبرًا لتراكم التفكير الاستراتيجي الفلسطيني.
فالمعركة على الوعي، وعلى تعريف المفاهيم، وعلى رسم الأفق، لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، بل هي شرط لازم لأي مشروع وطني قابل للحياة.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .