
غزة بين سلام الإدارة وسلام القوة: أين تقف الدولة الفلسطينية؟ بقلم : عبدالرحيم جاموس
لم تعد غزة اليوم مجرّد ساحة حرب أو ملف إنساني طارئ، بل تحوّلت إلى مختبر سياسي وقانوني تُختبر فيه نماذج جديدة لتسوية الصراع، يُعاد تسويقها تحت عنوان “السلام طويل الأمد”. غير أن هذا السلام، كما يُطرح في الدوائر الدولية، لا يقوم على إنهاء الاحتلال أو تمكين الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره، بل على إعادة هندسة الواقع السياسي والأمني في القطاع، ضمن معادلة تجمع بين سلام الإدارة وسلام القوة، مع تهميش واضح لطموح الدولة الفلسطينية المستقلة.
في هذا السياق، تُبعث إلى الواجهة أفكار قديمة صيغت منذ مطلع الألفية، تعاملت مع غزة لا باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من مشروع تحرر وطني، بل كمساحة سكانية مكتظة تحتاج إدارة وضبطًا أمنيًا تحت إشراف خارجي.
ما يُطرح اليوم من “إدارة انتقالية” أو “لجنة تكنوقراط” ليس وليد الحرب الأخيرة، بل إعادة إنتاج لمقاربات ترى في الحكم وظيفة تقنية، لا ممارسة سياسية نابعة من الإرادة الشعبية.
سلام الإدارة يفترض، ضمنيًا، أن جوهر الأزمة الفلسطينية يكمن في “سوء الحوكمة”، لا في استمرار الاحتلال.
ومن هنا، يُستبدل التمثيل السياسي بهياكل وظيفية غير منتخبة، تستمد شرعيتها من القبول الدولي لا من الشعب.
لا يُطلب من هذه الهياكل الدفاع عن الحقوق الوطنية أو تمثيل الإرادة العامة، بل إدارة السكان: معابر، خدمات، إغاثة، وإعادة إعمار، ضمن سقف سياسي مرسوم سلفًا.
في المقابل، يشكّل سلام القوة الوجه الأمني لهذه المعادلة.
فهو سلام مشروط بنزع السلاح، وبإخضاع الفضاء الأمني الفلسطيني لرقابة مشددة، عبر ترتيبات دولية أو تفاهمات إقليمية.
هنا تتحول السيادة، وخصوصًا في بعدها الأمني، من حق أصيل إلى “مكافأة مؤجلة”، تُمنح فقط إذا التزم الطرف الفلسطيني بشروط الاستقرار المفروضة عليه. وبذلك، لا يكون نزع السلاح خطوة انتقالية نحو الدولة، بل أداة دائمة لإبقائها مؤجلة.
الأخطر من تقليص الصلاحيات هو ما يحمله هذا النموذج من إعادة تفكيك للجغرافيا السياسية الفلسطينية.
إذ تُعامل غزة كوحدة منفصلة لها نظام حكم خاص، ما يفتح الباب أمام تعميم المنطق ذاته على الضفة الغربية لاحقًا، لتتحول فلسطين إلى مجموعة كيانات إدارية لكل منها ترتيباتها “الانتقالية” الدائمة، بدل أن تكون دولة واحدة تحت الاحتلال تسعى للتحرر.
يُمنح هذا المشروع اليوم غطاءً أخلاقيًا عبر الخطاب الإنساني، مستفيدًا من الكارثة غير المسبوقة التي يعيشها القطاع.
ففي ظل الدمار الشامل، والنزوح، والجوع، وانهيار البنية التحتية، يصبح همّ الناس النجاة قبل أي نقاش سياسي.
هنا تكمن المعضلة الأخلاقية والسياسية: توظيف المعاناة الإنسانية الحقيقية لتمرير ترتيبات قد ترسم مصير الشعب الفلسطيني لعقود.
ما يُفرض في لحظة الضعف قد يتحول إلى إطار دائم للحياة السياسية.
من منظور القانون الدولي، يفترض أن تكون أي مرحلة انتقالية تحت إشراف دولي محددة الهدف والزمن، وغايتها تمكين الشعب الواقع تحت الاحتلال من ممارسة حقه الكامل في تقرير المصير.
لكن ما يُطرح لغزة اليوم أقرب إلى نماذج “الوصاية الحديثة”: إدارة محلية في الشكل، وتحكم فعلي خارجي في الجوهر، وسيادة مؤجلة بلا أفق زمني واضح.
وعليه، لم يعد السؤال الجوهري: من سيدير غزة إداريًا؟
بل السؤال الأخطر والأعمق هو:
هل يُراد لغزة أن تكون نواة دولة فلسطينية مستقلة، أم مختبرًا دائمًا لسلام الإدارة وسلام القوة ، ام نهاية المشروع الوطني الفلسطيني ، على يد اسرائيل وحركة حماس ؟
والإجابة عن هذه التساؤلات ستحدد ليس فقط مستقبل غزة، بل مصير المشروع الوطني الفلسطيني برمّته.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .