7:28 مساءً / 24 يناير، 2026
آخر الاخبار

فتح التي تحاسب نفسها قبل أن يحاسبها الناس ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

فتح التي تحاسب نفسها قبل أن يحاسبها الناس ، بقلم : الصحفي سامح الجدي


(المقال الثالث والعشرون من سلسلة مقالات “أي فتح نُريد”)

النقد الذاتي

مقدّمة

لم تكن حركة فتح يومًا مجرّد تنظيم سياسي عابر، بل شكّلت لعقود طويلة العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، وقادت المشروع الوطني في أكثر مراحله تعقيدًا وحساسية. وبقدر ما راكمت فتح من إنجازات وتضحيات، واجهت أيضًا إخفاقات وأخطاء، بعضها ناتج عن ظروف موضوعية قاسية، وبعضها الآخر نتيجة خيارات وسياسات كان يمكن مراجعتها وتصويبها.

من هنا تبرز أهمية النقد الذاتي بوصفه شرطًا أساسيًا لاستمرار فتح كحركة حيّة وقادرة على التجدد. فالتنظيم الذي لا يحاسب نفسه، ولا يراجع مسيرته بجرأة وصدق، يترك المجال للناس كي يحاسبوه بقسوة، وقد يفقد ثقتهم ودعمهم. والسؤال الجوهري هو: هل نريد فتح التي تبرّر أخطاءها، أم فتح التي تعترف بها وتصحّحها؟

أولًا: معنى النقد الذاتي في العمل التنظيمي

النقد الذاتي ليس جلدًا للذات، ولا تشكيكًا بالتاريخ أو التضحيات، بل هو عملية واعية تهدف إلى تقييم الأداء، وكشف مكامن الخلل، والبناء على التجربة لتطويرها. وهو ممارسة صحية تقوم على الشجاعة الفكرية، والالتزام الأخلاقي، والمسؤولية الوطنية.

في العمل التنظيمي، يعني النقد الذاتي:

• الاعتراف بالأخطاء دون مواربة.
• تحليل أسباب الإخفاق بموضوعية.
• تحمّل المسؤولية بدل تحميلها للآخرين.
• تحويل النقد إلى خطط إصلاح عملية.

فتح التي نريدها هي فتح التي ترى في النقد الذاتي مصدر قوة، لا تهديدًا لمكانتها أو تاريخها.

ثانيًا: لماذا تحتاج فتح إلى النقد الذاتي اليوم؟

تمرّ القضية الفلسطينية بمرحلة غير مسبوقة من التحديات: انسداد الأفق السياسي، تعمّق الانقسام، تراجع الثقة بالمؤسسات، وتزايد الإحباط الشعبي، خاصة بين الشباب. وفي هذا السياق، تُواجَه فتح بأسئلة قاسية من الشارع الفلسطيني حول دورها، وأدائها، وقدرتها على قيادة المرحلة.

إن غياب النقد الذاتي في مثل هذا الواقع يؤدي إلى:

• تآكل الثقة الشعبية.
• اتساع الفجوة بين القيادة والقاعدة.
• تكرار الأخطاء نفسها.
• تحوّل الحركة إلى كيان دفاعي يبرّر بدل أن يُصلح.

أما ممارسة النقد الذاتي، فهي رسالة واضحة للناس بأن فتح لا تعتبر نفسها فوق المساءلة، وأنها شريكة في تحمّل المسؤولية الوطنية.

ثالثًا: بين التبرير والمراجعة

أحد أخطر ما يواجه التنظيمات السياسية هو ثقافة التبرير. فحين تُواجَه الأخطاء بتفسيرات جاهزة، أو تُعزى دائمًا إلى “الظروف” و”المؤامرات” و”الآخرين”، يُغلق باب التعلم والتصحيح.

لا شك أن الاحتلال، والضغوط الإقليمية والدولية، والانقسام الداخلي، عوامل مؤثرة في الواقع الفلسطيني، لكن تحويلها إلى شماعة دائمة يُعفي الذات من المحاسبة، ويُفقد النقد الذاتي معناه.

فتح التي تحاسب نفسها هي فتح التي تميّز بين:

• ما هو مفروض عليها قسرًا.
• وما هو ناتج عن قرارات وسياسات داخلية قابلة للمراجعة.

رابعًا: مجالات النقد الذاتي في تجربة فتح

لكي يكون النقد الذاتي صادقًا وفعّالًا، لا بد أن يشمل مجالات متعددة، من أبرزها:

  1. الأداء التنظيمي
    مراجعة آليات اتخاذ القرار، ومستوى الديمقراطية الداخلية، ودور المؤسسات، ومدى مشاركة القاعدة التنظيمية.
  2. العلاقة مع الشارع الفلسطيني
    تقييم درجة القرب من هموم الناس، وقدرة الخطاب على التعبير عن تطلعاتهم، وليس فقط الدفاع عن السياسات القائمة.
  3. إدارة السلطة والمسؤولية
    التمييز بين دور الحركة كحركة تحرر، ودورها في إدارة الشأن العام، ومراجعة أخطاء الحكم والإدارة.
  4. تمكين الشباب والمرأة
    تقييم مدى إشراك الأجيال الجديدة في مواقع القرار، لا الاكتفاء بالشعارات.
  5. الشفافية والمساءلة

مراجعة سياسات إدارة الموارد، ومحاربة الفساد، وتعزيز الثقة الداخلية والخارجية.

خامسًا: النقد الذاتي بين الخوف والشجاعة

كثيرًا ما يُقابَل النقد الذاتي داخل التنظيمات بالخوف والرفض، خشية أن يؤدي إلى إضعاف الهيبة أو فتح باب الانقسامات. لكن التجارب التاريخية تثبت أن التنظيمات التي رفضت النقد من الداخل، تفككت تحت ضغط النقد من الخارج.

الشجاعة الحقيقية لا تكمن في إنكار الأخطاء، بل في الاعتراف بها والعمل على تصويبها. وفتح التي تحاسب نفسها ترسل رسالة قوة، لا ضعف، مفادها أنها حركة واثقة بتاريخها، وقادرة على مراجعة ذاتها دون أن تفقد هويتها.

سادسًا: من النقد الفردي إلى النقد المؤسسي

لا يكفي أن يعبّر بعض الكوادر أو المثقفين عن نقد فردي هنا أو هناك. المطلوب هو تحويل النقد الذاتي إلى ممارسة مؤسسية، من خلال:

• فتح نقاشات داخلية منظمة.
• عقد مراجعات دورية للأداء.
• الاستماع للقاعدة التنظيمية.
• حماية حق النقد من العقوبات أو الإقصاء.

النقد الذاتي المؤسسي يحوّل الاختلاف إلى أداة تطوير، ويمنع تراكم الأخطاء حتى تتحول إلى أزمات بنيوية.

سابعًا: دور القيادة في ترسيخ ثقافة المحاسبة

تقع على عاتق القيادة مسؤولية مركزية في ترسيخ ثقافة النقد الذاتي. فالقيادة التي تعترف بأخطائها، وتفتح المجال للنقاش، تشجّع القاعدة على المشاركة والمسؤولية.

أما القيادة التي تُغلِق الأبواب أمام النقد، أو تتعامل معه كخيانة، فإنها تدفع التنظيم نحو الجمود والانفصال عن الواقع.

فتح التي نريدها هي فتح التي تقود بالمثال، وتبدأ بمحاسبة نفسها قبل مطالبة الآخرين بالمحاسبة.

ثامنًا: النقد الذاتي واستعادة ثقة الناس

الشعب الفلسطيني لا يطالب بالكمال، بل بالصدق. وحين يرى الناس حركة تعترف بأخطائها، وتشرح خياراتها بوضوح، وتعمل على التصحيح، فإن ذلك يُعيد بناء الثقة المفقودة.

أما إنكار الأخطاء، أو التقليل من شأن معاناة الناس، فيُفاقم الغضب الشعبي، ويجعل المحاسبة القادمة أشدّ قسوة.

فتح التي تحاسب نفسها تحمي نفسها من محاكمة الشارع، لأنها تُشركه في الحقيقة، لا تُخفيها عنه.

تاسعًا: النقد الذاتي كمدخل للتجديد

النقد الذاتي ليس هدفًا بحد ذاته، بل مدخل أساسي للتجديد التنظيمي والسياسي. فمن دون مراجعة، لا يمكن تطوير الخطاب، ولا تحديث الأدوات، ولا استعادة الدور الريادي.

التجديد الذي لا يقوم على نقد صادق يتحول إلى تغيير شكلي، سرعان ما ينكشف أمام الناس. أما التجديد القائم على محاسبة الذات، فيكون أعمق أثرًا وأكثر استدامة.

خاتمة

إن فتح التي تحاسب نفسها قبل أن يحاسبها الناس هي فتح التي تؤمن بأن النقد الذاتي ليس تهديدًا، بل ضرورة وطنية وتنظيمية. هي فتح التي تحترم عقل شعبها، وتصون تاريخها، وتفتح الطريق أمام مستقبل أفضل.

في زمن الأزمات الكبرى، لا تنقذ الحركاتَ الشعاراتُ ولا التبريرات، بل الشجاعة في مواجهة الذات. والنقد الذاتي الصادق هو الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة، وتجديد الدور، وبناء فتح قوية، مسؤولة، وقادرة على قيادة المرحلة، لأنها بدأت بإصلاح نفسها قبل أن يُفرَض عليها الإصلاح من الخارج.

شاهد أيضاً

وزارة شؤون المرأة والشرطة الاوروبية تبحثان تعزيز حماية النساء ومناهضة العنف

وزارة شؤون المرأة والشرطة الاوروبية تبحثان تعزيز حماية النساء ومناهضة العنف

شفا – التقت وزيرة شؤون المرأة أ. منى الخليلي، اليوم، بكارين ليمدال ممثلة بعثة الشرطة …