
مجلس السلام وغزة: تفكيك قانوني لمحاولة الالتفاف على الشرعية الدولية ، بقلم: د. عبدالرحيم جاموس
أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إنشاء ما يُسمّى «مجلس السلام»، ومنحه دوراً في إعادة إعمار قطاع غزة والعمل «إلى جانب» الأمم المتحدة، إشكاليات قانونية وسياسية عميقة تتجاوز الظرف السياسي الراهن، وتمسّ جوهر النظام الدولي القائم على ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي العام. فبعيداً عن الخطاب الدعائي الذي قدّمه ترامب، يطرح هذا المجلس أسئلة جوهرية حول الشرعية، والاختصاص، وحدود الفعل الدولي المشروع.
من حيث المبدأ، يُعدّ حفظ السلم والأمن الدوليين اختصاصاً أصيلاً للأمم المتحدة بموجب المادة (24) من ميثاقها، ويُناط مجلس الأمن بالمسؤولية الأساسية في هذا المجال. ورغم ما يعانيه المجلس من شلل متكرر بفعل استخدام حق النقض وتضارب مصالح الدول الكبرى، فإن ذلك لا يُسقط شرعيته القانونية، ولا يفتح الباب تلقائياً أمام إنشاء أطر موازية تفتقر إلى تفويض دولي جامع. وعليه، فإن أي هيئة تُنشأ خارج هذا الإطار، ولا تستند إلى قرار أممي، تظل كياناً سياسياً فاقداً للصفة القانونية الدولية الملزمة.
إن توصيف ترامب للأمم المتحدة بالعجز، وتقديم «مجلس السلام» كبديل عملي، يتجاهل حقيقة قانونية أساسية: أن عجز المنظمة الدولية ليس ذاتياً، بل ناتج عن سلوك الدول الأعضاء نفسها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي استخدمت مراراً آليات التعطيل داخل مجلس الأمن. ومن ثمّ، فإن تجاوز الأمم المتحدة لا يُعدّ إصلاحاً للنظام الدولي، بل تقويضاً له، ونقلاً لمركز القرار إلى فضاء أقل خضوعاً للقانون الدولي والمساءلة الجماعية.
في السياق الفلسطيني، تتخذ هذه الإشكالية أبعاداً أخطر. فقطاع غزة، وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، يُعدّ إقليماً واقعاً تحت الاحتلال، بغضّ النظر عن أشكال الإدارة المحلية. وبالتالي، فإن أي تدخل دولي في شؤونه، سواء تحت عنوان الإعمار أو الإدارة أو الترتيبات الأمنية، يجب أن ينطلق من هذا الوصف القانوني، وأن يلتزم بمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة، وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
غير أن الطرح المتداول حول دور «مجلس السلام» في غزة يتعامل مع القطاع كمساحة منكوبة تحتاج إلى إدارة تقنية، لا كجزء من قضية سياسية–قانونية غير محلولة. وهذا المنهج يُخالف جوهر القانون الدولي، الذي لا يفصل بين البعد الإنساني والبعد السياسي في حالات الاحتلال. فإعادة الإعمار، إذا لم تقترن بإنهاء الاحتلال ورفع الحصار وضمان السيادة، تتحول إلى أداة لإدامة الوضع غير المشروع، لا إلى خطوة نحو تصحيحه.
كما أن أي إشراف دولي على غزة خارج إطار الأمم المتحدة، ودون موافقة ممثلي الشعب الفلسطيني الشرعيين، يقترب من نماذج الوصاية الدولية غير المنصوص عليها قانوناً، ويُعيد إنتاج أنماط «الإدارة الانتقالية المفتوحة» التي تُجمّد الحقوق السياسية تحت ذريعة الاستقرار. وهذا يتعارض مع قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، التي تضع حق تقرير المصير في مرتبة القاعدة الآمرة.
على الصعيد الدولي، يكشف التردد الواسع لدى عدد من الدول الكبرى في دعم «مجلس السلام» عن إدراك قانوني وسياسي بأن تفكيك النظام متعدد الأطراف، واستبداله بهيئات طوعية تقودها قوة واحدة، يهدد الاستقرار القانوني الدولي، ويفتح الباب أمام سوابق خطيرة يمكن توظيفها في نزاعات أخرى.
الإشكالية الأعمق أن هذا المجلس يعكس تحوّلاً في مفهوم السلام ذاته: من سلام قائم على إنهاء الأسباب الجذرية للنزاع وفق القانون، إلى «سلام إداري» يهدف إلى ضبط السلوك ومنع الانفجار، دون معالجة أصل الانتهاك. وهذا النموذج، وإن بدا عملياً على المدى القصير، يفشل قانونياً وأخلاقياً في تحقيق سلام عادل ومستدام.
من منظور القانون الدولي، لا يمكن لـ«مجلس السلام» أن يشكّل بديلاً مشروعاً للأمم المتحدة، ولا إطاراً قانونياً صالحاً لإدارة أو إعمار غزة.
فالقضية الفلسطينية ليست فراغاً إدارياً، بل مسألة حقوق غير قابلة للتصرف. وأي مسار يتجاوز الشرعية الدولية، مهما ارتدى من عناوين إنسانية، لن يُنتج سلاماً، بل سيُعمّق أزمة النظام الدولي ويُطيل أمد الصراع.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .