12:13 صباحًا / 24 يناير، 2026
آخر الاخبار

المجالس المحلية في فلسطين: إدارة بلا سيادة وخط دفاع في معركة البقاء ، بقلم : المحامي طاهر مرايطه

المجالس المحلية في فلسطين: إدارة بلا سيادة وخط دفاع في معركة البقاء

المجالس المحلية في فلسطين: إدارة بلا سيادة وخط دفاع في معركة البقاء ، بقلم : المحامي طاهر مرايطه


تمثّل المجالس المحلية في النظم السياسية المستقرة أحد الركائز الأساسية للامركزية الإدارية، إذ تؤدي دورًا تنفيذيًا مباشرًا لسياسات الدولة على المستوى المحلي، في إطار سيادي متكامل يتيح لها التخطيط والتنفيذ والرقابة. غير أن الحالة الفلسطينية تقدّم نموذجًا استثنائيًا في الفقهين الإداري والسياسي، حيث تمارس المجالس المحلية وظائف ذات طابع دولتي في ظل غياب عنصر السيادة، وضمن فضاء قانوني وسياسي مشوَّه بفعل الاحتلال واستمرار السيطرة الخارجية على الأرض والموارد.


وتطرح هذه المفارقة سؤالًا جوهريًا حول طبيعة الحكم المحلي الفلسطيني: كيف يمكن لهيئات إدارية أن تضطلع بمهام الدولة في ظل غياب السيادة؟


تعمل المجالس المحلية الفلسطينية ضمن سياق سيادي مجزأ أفرزته اتفاقية أوسلو، التي قسّمت الأرض الفلسطينية إلى مناطقA، B، C ,ففي حين تتمتع الهيئات المحلية في المنطقة (A) بهامش نسبي من الصلاحيات الإدارية والتخطيطية، تتقلّص هذه الصلاحيات بصورة حادّة في المنطقة (C)، التي تشكّل المساحة الأكبر من أراضي الضفة الغربية وتخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة، لا سيما في مجالات التخطيط والبناء، وإصدار التراخيص، والبنية التحتية، واستغلال الموارد الطبيعية. وقد أسهم هذا الواقع في إنتاج نظام تخطيطي مشوَّه حال دون التوسع العمراني الطبيعي، وأدّى إلى اكتظاظ قسري داخل التجمعات السكانية، في مقابل حرمان المجالس المحلية من ممارسة اختصاصاتها القانونية الفعلية خارج مراكز المدن.


وفي ظل هذا الواقع، انتقل دور المجالس المحلية من المساهمة في تنفيذ سياسات عامة ضمن إطار سيادي شامل، إلى إدارة الحد الأدنى من استمرارية الحياة اليومية للمواطنين. فباتت مهامها تنحصر في تقديم الخدمات الأساسية، مثل إدارة المياه والكهرباء، وجمع النفايات، وصيانة الطرق الداخلية، وتنظيم الأسواق، والخدمات البيئية والصحية. وبذلك تحوّلت إلى أداة خدمية تعويضية تهدف إلى منع الانهيار المجتمعي، أكثر من كونها فاعلًا تنمويًا قادرًا على إحداث تغيير بنيوي مستدام.


ويزداد هذا الدور تعقيدًا في ظل ضعف القاعدة الضريبية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وعدم سيطرة المجالس المحلية على الموارد الاستراتيجية، وعلى رأسها الأراضي والمياه. ونتيجة لذلك، بات اعتمادها على التمويل الخارجي عبر الصناديق التنموية والمشاريع المموّلة دوليًا أمرًا شبه حتمي. ورغم ما يتيحه هذا التمويل من تحسين نسبي في بعض الخدمات، إلا أنه يخلق شكلًا من أشكال الارتهان غير المباشر، حيث تُحدَّد الأولويات أحيانًا وفق أجندات الممولين ومعاييرهم، على حساب الاحتياجات الوطنية طويلة المدى، ولا سيما تلك المرتبطة بالصمود في المناطق المهددة.


وفي ظل غياب السيادة وتراجع الأطر المؤسسية الوطنية، تجاوز دور المجالس المحلية حدود النصوص القانونية ليأخذ طابعًا اجتماعيًا وسياسيًا مركّبًا. فقد اضطلعت بأدوار اجتماعية تمثلت في التدخل لحل النزاعات المحلية والعشائرية لسدّ الفراغ المؤسسي، وأدوار سياسية من خلال التواصل مع المنظمات الدولية لتوثيق الانتهاكات التي تطال التجمعات السكانية، فضلًا عن أدوار ميدانية في إدارة الأزمات الناجمة عن الاقتحامات، وعمليات الهدم، والحصار. وبهذا المعنى، تحوّل رئيس المجلس المحلي إلى فاعل متعدد الوظائف: إداري، اجتماعي، وأحيانًا سياسي على المستوى المحلي.


ورغم أن المجالس المحلية تستند إلى شرعية انتخابية، فإن قدرتها التنفيذية تبقى رهينة واقع الاحتلال. فالمواطن يتعامل معها بوصفها سلطة مسؤولة عن التنظيم والبناء وتقديم الخدمات، في حين تعجز فعليًا عن حماية المخططات الهيكلية أو مشاريع البنية التحتية من الهدم أو التعطيل إذا كانت واقعة ضمن مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية. ويُنتج هذا التناقض فجوة واضحة بين توقعات المواطنين والإمكانات الفعلية للمجالس، ما ينعكس سلبًا على الثقة بالحكم المحلي ويحدّ من فعاليته.


ومع ذلك، اكتسبت المجالس المحلية بعدًا وطنيًا يتجاوز وظيفتها الإدارية التقليدية، يتمثل في دورها في تثبيت الوجود الفلسطيني على الأرض، ومنع الفراغ الإداري، وتعزيز صمود السكان في المناطق المهددة. وبذلك أسهمت في إنتاج شكل من “السيادة المجتمعية” التي تعوّض جزئيًا عن غياب السيادة القانونية، وتمنح الحكم المحلي بعدًا مقاومًا في سياق معركة البقاء.


إن المجالس المحلية في فلسطين ليست مجرد وحدات إدارية، بل مؤسسات سياسية بلباس إداري، تُدير بلا سيادة، وتُخطّط بلا سيطرة كاملة على الأرض، وتتحمّل أعباء دولة في ظل غياب دولة مكتملة الأركان. ويظل نجاحها مرهونًا بقدرتها على الانتقال من منطق تسيير الأعمال إلى تبنّي نموذج تنمية مقاومة يقوم على تعزيز المشاركة المجتمعية، وتقليل التبعية المالية، وبناء قدرات تخطيطية محلية، وتحويل الخدمة العامة إلى أداة صمود واشتباك قانوني وسياسي في معركة البقاء على الأرض.

شاهد أيضاً

أسعار الذهب اليوم

أسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم الجمعة 23 يناير كالتالي : سعر أونصة الذهب عالمياً …