12:02 مساءً / 24 يناير، 2026
آخر الاخبار

فلسطين في دافوس 2026: كيف خاطب دولة رئيس الوزراء د. محمد مصطفى العالم بلغة الاقتصاد والاستقرار؟ بقلم : د. عماد سالم

فلسطين في دافوس 2026: كيف خاطب دولة رئيس الوزراء د. محمد مصطفى العالم بلغة الاقتصاد والاستقرار؟ بقلم : د. عماد سالم

لم تكن مشاركة دولة رئيس الوزراء الفلسطيني د. محمد مصطفى في منتدى دافوس الاقتصادي 2026 حضورًا بروتوكولياً عابراً في محفل عالمي، بل جاءت كخطوة سياسية محسوبة في لحظة دولية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحرب، والاقتصاد، وأزمة النظام الدولي ذاته. ففي عالم مثقل بالأزمات ومخاوف عدم الاستقرار، سعى الخطاب الفلسطيني هذه المرة إلى إعادة تقديم القضية الفلسطينية من بوابة الاقتصاد والحوكمة والاستقرار، مخاطبًا مراكز القرار الدولي بلغتها، لا بلغة الشعارات وحدها، ومحمّلا ًالمجتمع الدولي مسؤولية استمرار اختلالٍ بات يهدد الأمن والتنمية في الإقليم والعالم.

لم يقتصر حضور دافوس على الكلمة الرسمية، بل تخلله لقاءات موسعة مع قادة دول ومسؤولين دوليين، في محاولة لإيصال الرسالة الفلسطينية بوضوح: إن القضية الفلسطينية لم تعد ملفاً محلياً، بل اختباراً للمجتمع الدولي في الالتزام بالقانون الدولي وحماية الاستقرار الإقليمي.

ما ميّز خطاب مصطفى هو فهمه لطبيعة جمهور دافوس: قادة دول، صناع سياسات مالية، رؤساء مؤسسات اقتصادية ومستثمرون يتحركون وفق حسابات المخاطر والعوائد، لا وفق التعاطف الأخلاقي وحده. لذلك لم يبدأ الخطاب بسرد مأساة الفلسطينيين، رغم حجمها، بل بسؤال عقلاني: كيف يمكن للعالم أن يتجاهل بؤرة مفتوحة لانعدام الاستقرار في قلب الشرق الأوسط، في وقت يسعى فيه إلى النمو والاستقرار؟

بهذا المدخل، قدّم د.مصطفى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية نظام دولي مختل، لا مجرد نزاع محلي مؤجل. فالاحتلال لم يعد مجرد انتهاك سياسي أو قانوني، بل عامل بنيوي لإنتاج عدم الاستقرار، ينعكس على الأمن الإقليمي، أسواق المال، سلاسل الإمداد، وحركة الاستثمار. هذا الربط بين السياسي والاقتصادي يعكس انتقال الخطاب الفلسطيني من مرحلة المطالبة الأخلاقية إلى بناء حجة عقلانية موجهة لمراكز القرار العالمي.

في هذا السياق، طُرح حل الدولتين في خطاب دافوس بوصفه ضرورة وظيفية، لا شعاراً سياسيًا تقليدياً. إنه شرط للاستقرار الإقليمي، ومدخل لتقليل المخاطر، وبيئة لازمة لأي تعاف اقتصادي حقيقي. ومن هذا المنطلق، لم يكن الحديث عن إنهاء الاحتلال مجرد مطلب فلسطيني، بل مصلحة دولية عاجلة، إذ يظل كل استقرار اقتصادي أو أمني في المنطقة معرّضاً للخطر ما دام هذا الملف معطّلاً.

أما التأكيد على تمكين السلطة الفلسطينية وبسط ولايتها على كامل الأرض الفلسطينية، فجاء كرسالة استباقية لما بعد الحرب. فالفراغ السياسي أخطر من الصراع ذاته، وأي مشروع لإعادة إعمار غزة أو إنعاش الاقتصاد الفلسطيني سيظل هشاً ما لم يقم على عنوان سياسي موحد، قادر على الإدارة والمساءلة، والالتزام بالمعايير الدولية. وفي لقاءاته مع قادة أوروبيين ومسؤولين دوليين، سعت القيادة الفلسطينية لتقديم نفسها شريكاً مؤهلاً للعمل، لا طرفاً يبحث عن التعاطف أو الوصاية.

اقتصادياً، حمل خطاب دافوس تحولاً لافتاً في اللغة والمقاربة. فبدل الحديث عن المساعدات الطارئة، ركّز مصطفى على التخطيط، الاستثمار، وإعادة الإعمار المستدام. كما عرض خطة فلسطينية متكاملة لإعادة إعمار غزة، تبدأ فور تثبيت وقف إطلاق النار، وتقوم على مراحل تشمل إعادة بناء البنية التحتية، استعادة الخدمات الأساسية، وتحفيز الاقتصاد، ضمن إطار الحوكمة الرشيدة والمساءلة. هذا التحول يخرج فلسطين من صورة “الاقتصاد الإنساني الطارئ” إلى أفق “اقتصاد ما بعد الصدمة”، ويجعلها متسقة مع منطق المؤسسات المالية الدولية التي لم تعد مستعدة لضخ الموارد في بيئات غير مستقرة.

أحد أبرز أبعاد الخطاب هو إعادة توزيع المسؤولية الأخلاقية فبدل مطالبة العالم بالتعاطف مع معاناة الفلسطينيين، وُضِع المجتمع الدولي أمام اختبار مصداقيته: كيف يمكن لنظام عالمي يدّعي احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان أن يقبل استمرار اختلال بنيوي يهدد الأمن والتنمية؟ وهكذا، انتقل الخطاب الفلسطيني من لغة الاستجداء إلى لغة المحاسبة الهادئة، ومن مخاطبة الضمير إلى مساءلة الإرادة الدولية.

في العمق، يمكن قراءة مشاركة دافوس وما رافقها من لقاءات رفيعة المستوى كجزء من بناء سردية فلسطينية جديدة لما بعد الحرب؛ سردية لا تنكر المأساة، لكنها ترفض الارتهان لها، وتسعى إلى إعادة تعريف الفلسطيني كفاعل سياسي واقتصادي، قادر على إدارة دولته إذا أُزيلت القيود المفروضة عليه. وتكمن أهمية هذا التحول في أنه يخاطب العالم بلغته، ويكسر الصور النمطية القديمة التي قيّدت الخطاب الفلسطيني لعقود.

ومع ذلك، يظل الرهان محفوفاً بالتحديات. فالاعتماد على مجتمع دولي متردد في ترجمة الأقوال إلى أفعال يظل محفوفاً بالمخاطر، كما أن نجاح أي رؤية مستقبلية يبقى مرهونًا بعوامل داخلية فلسطينية معقدة، في مقدمتها إنهاء الانقسام، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم. لكن رغم هذه القيود، فإن أهمية خطاب دافوس لا تكمن في نتائجه الآنية فقط، بل في كونه محاولة جادة لإعادة تعريف موقع فلسطين في الخريطة الذهنية للنظام الدولي.

في الخلاصة، لم تكن مشاركة فلسطين في دافوس 2026 مجرد حضور في منتدى اقتصادي عالمي، بل خطوة محسوبة لإعادة طرح القضية الفلسطينية من بوابة الاقتصاد والاستقرار والحوكمة. إنها محاولة للانتقال من إدارة الأزمة إلى التفكير في اليوم التالي، ومن مخاطبة المشاعر إلى مخاطبة المصالح، واضعةً العالم أمام خيار واضح: إما الاستثمار في حل عادل ومستدام، أو الاستمرار في دفع كلفة الفوضى المفتوحة.

  • – د. عماد سالم – باحث وكاتب في التعليم والتنمية

شاهد أيضاً

رئيس الصين شي جين بينغ يهنئ يوري موسيفيني بإعادة انتخابه رئيساً لأوغندا

رئيس الصين شي جين بينغ يهنئ يوري موسيفيني بإعادة انتخابه رئيساً لأوغندا

شفا – أرسل الرئيس الصيني شي جين بينغ يوم الجمعة رسالة تهنئة إلى يوري موسيفيني …