9:38 مساءً / 11 مارس، 2026
آخر الاخبار

اسرائيل أم أمريكا. من يقود الحروب ومن يدفع الثمن في الشرق الأوسط.؟ بقلم : د. وليد العريض

اسرائيل أم أمريكا. من يقود الحروب ومن يدفع الثمن في الشرق الأوسط.؟ بقلم : د. وليد العريض


من يتأمل المشهد الدموي الذي عاشه الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة من غزة إلى لبنان إلى اليمن والعراق وسوريا يلاحظ أن آلاف الضحايا يسقطون بينما يبقى السؤال الأكبر معلقا فوق كل هذه الحروب. من يقود القرار الحقيقي في هذه المنطقة؟ هل الولايات المتحدة هي التي تدير الصراع وتستخدم إسرائيل أداة متقدمة لتحقيق مصالحها العالمية؟. أم أن إسرائيل نجحت عبر نفوذها السياسي في واشنطن في دفع الولايات المتحدة لخوض معاركها الخاصة ضد خصومها الإقليميين؟.
هذا السؤال الرئيس والاسئلة الفرعية ليست مجرد جدل سياسي، بل هو سؤال تاريخي يتصل بطبيعة العلاقة المعقدة بين القوة العظمى في العالم وبين الدولة التي تحولت منذ عقود إلى أهم حليف استراتيجي لها في الشرق الأوسط.

الجذور التاريخية للتحالف بين واشنطن وتل أبيب

عند العودة إلى تاريخ قيام إسرائيل عام 1948 نجد أن الولايات المتحدة لم تكن في البداية الداعم العسكري الأكبر لإسرائيل. في تلك المرحلة كانت فرنسا وبريطانيا تلعبان دورا مهما في تسليحها وتدريب جيشها. وقد ظهر ذلك بوضوح في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 عندما شاركت إسرائيل مع فرنسا وبريطانيا في الحرب ضد القاهرة. لكن التحول الكبير جاء بعد حرب عام 1967 حين أدركت الولايات المتحدة أن إسرائيل يمكن أن تصبح قاعدة استراتيجية متقدمة لها في الشرق الأوسط. منذ تلك اللحظة بدأ الدعم العسكري والسياسي الأمريكي يتعاظم بشكل غير مسبوق حتى أصبحت إسرائيل أكبر متلق للمساعدات الأمريكية في العالم.

المساعدات الأمريكية والاستثمار الاستراتيجي

تقدم الولايات المتحدة لإسرائيل مساعدات سنوية تقدر بمليارات الدولارات وهو رقم يبدو للوهلة الأولى كبيرا لكنه في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية يمثل استثمارا محدود التكلفة مقارنة بحجم المصالح التي تحققها واشنطن في المنطقة. فكلفة دعم إسرائيل سنويا تعادل تقريبا كلفة تشغيل حاملة طائرات أمريكية واحدة في البحر. ومع ذلك فإن هذا الدعم يضمن للولايات المتحدة وجود قوة عسكرية متقدمة في قلب الشرق الأوسط قادرة على حماية المصالح الغربية ومراقبة التحولات السياسية والعسكرية في المنطقة.

إسرائيل كقاعدة متقدمة للمصالح الأمريكية

تنظر مراكز التفكير الاستراتيجي في واشنطن إلى إسرائيل باعتبارها أشبه بقاعدة عسكرية واستخبارية متقدمة أكثر منها مجرد دولة حليفة. فهي تمتلك جيشا متفوقا وتكنولوجيا عسكرية متطورة وقدرة عالية على جمع المعلومات الاستخبارية. ولذلك كثيرا ما تقوم بأدوار ميدانية لا تستطيع الولايات المتحدة تنفيذها بشكل مباشر لأسباب سياسية أو قانونية. من هنا يمكن فهم لماذا تستمر واشنطن في تقديم الدعم غير المحدود لإسرائيل حتى في أكثر اللحظات التي تتعرض فيها لانتقادات دولية واسعة بسبب الحروب أو بسبب سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.

النفوذ الإسرائيلي داخل السياسة الأمريكية

في المقابل لا يمكن تجاهل التأثير الكبير الذي تمارسه إسرائيل داخل النظام السياسي الأمريكي. فاللوبي المؤيد لإسرائيل يتمتع بنفوذ واسع في الكونغرس وفي تمويل الحملات الانتخابية وفي توجيه الخطاب الإعلامي والسياسي. هذا النفوذ جعل كثيرا من المراقبين يتحدثون عن قدرة إسرائيل على التأثير في قرارات السياسة الخارجية الأمريكية خصوصا في القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط مثل الصراع مع إيران أو الموقف من القضية الفلسطينية.

ترامب ونتنياهو بين المصالح المتبادلة

في السنوات الأخيرة ظهر هذا الجدل بوضوح في العلاقة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. فقد اتخذت إدارة ترامب سلسلة من القرارات التي اعتبرت من أكثر القرارات دعما لإسرائيل في تاريخ العلاقات بين البلدين مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. لكن قراءة أعمق لهذه القرارات تظهر أنها لم تكن مجرد استجابة لرغبات إسرائيلية، بل كانت أيضا جزءا من استراتيجية أمريكية أوسع لإعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط ومواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.

من يدفع ثمن الحروب

في الحروب التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة يظهر نمط واضح. إسرائيل غالبا هي الطرف الذي يخوض المواجهة العسكرية المباشرة ويتحمل الانتقادات الدولية المتعلقة بقتل المدنيين أو بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي. في المقابل تبقى الولايات المتحدة في موقع الداعم السياسي والعسكري الذي يستطيع المناورة الدبلوماسية ويحتفظ بهامش أكبر من الحماية القانونية والسياسية. ولهذا نجد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي قد يصبح مطلوبا للمحاكم الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب بينما تبقى القيادة الأمريكية بعيدة عن دائرة الاتهام رغم دورها الحاسم في دعم العمليات العسكرية.

من يقود القرار في النهاية

عند قراءة التاريخ السياسي للعلاقة بين البلدين يتضح أن ميزان القوة الحقيقي يميل في النهاية لصالح الولايات المتحدة. فإسرائيل تعتمد اعتمادا كبيرا على الدعم العسكري والاقتصادي الأمريكي وعلى الغطاء السياسي الذي توفره واشنطن في المؤسسات الدولية. لكن هذا لا يعني أن إسرائيل مجرد تابع بسيط. فهي تمتلك نفوذا حقيقيا داخل النظام السياسي الأمريكي وتمارس تأثيرا واضحا في اتجاهات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
في ضوء ذلك يمكن القول إن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ليست علاقة خداع بسيط بين طرفين بل هي علاقة تبادل مصالح معقدة. فالولايات المتحدة ترى في إسرائيل قاعدة استراتيجية متقدمة تخدم نفوذها العالمي بينما ترى إسرائيل في الولايات المتحدة الضامن الأكبر لأمنها العسكري والسياسي. وبين هذين الهدفين تستمر الحروب والصراعات في الشرق الأوسط بينما يبقى السؤال مفتوحا أمام التاريخ.

إسرائيل أم أمريكا. من يقود الحروب ومن يدفع الثمن في هذه المنطقة المضطربة؟

شاهد أيضاً

الديمقراطية الشعبية الشاملة تضفي زخما جديدا على انطلاق "الخطة الخمسية الخامسة عشرة"

الديمقراطية الشعبية الشاملة تضفي زخما جديدا على انطلاق “الخطة الخمسية الخامسة عشرة”

شفا – CGTN – تشكل الدورتان السنويتان للصين نافذة مهمة للاطلاع على التحديث الصيني النمط، …