
العقل الكوني الأزلي والزمن الإدراكي: قراءة فلسفية للديانات والنصوص السماوية في ضوء الأخلاق العالمية ، بقلم : علاء عاشور
منذ فجر التاريخ والإنسان يقف أمام لغز الوجود حائرًا؛ ينظر إلى السماء ويسأل: من أين جئنا؟ ولماذا نحن هنا؟ وإلى أين نمضي؟
هذه الأسئلة الكبرى لم تترك الإنسان ساكنًا، بل دفعته إلى بناء الأديان والأساطير والفلسفات، في محاولة لفهم الكون أو على الأقل لتهدئة القلق العميق الذي يسكن روحه.
لكن الحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها بتواضع هي أن كثيرًا من هذه الأسئلة تقع في منطقة الغيب؛ منطقة لا يملك العقل البشري أدوات حاسمة للوصول إلى يقين مطلق فيها. ولذلك فإن ما أنتجه الإنسان من أديان ونظريات ميتافيزيقية يمكن النظر إليه بوصفه محاولات عقلية لفهم المجهول وصياغة معنى للحياة أكثر مما هو كشف نهائي للحقيقة المطلقة.
إذا تأملنا الأديان الكبرى، سواء التي تسمى سماوية أو تلك التي نشأت في حضارات الأرض المختلفة، نجد أنها رغم اختلاف لغاتها وصورها الرمزية تشترك في فكرة عميقة: أن الكون ليس فوضى عمياء، بل يقوم على مبدأ أعلى من النظام والحكمة. هذا المبدأ يمكن تسميته الله، أو العقل الكوني، أو القانون الكوني، لكن جوهر الفكرة واحد: وجود نظام عقلي يحكم الوجود.
ومن هنا يمكن تصور أن هذا العقل الكوني الأزلي هو المصدر الذي انبثقت منه القيم الأخلاقية الكبرى التي عرفتها الإنسانية، وهو أيضًا المصدر العميق للتجارب الدينية المختلفة. فالوحي، في هذا الإطار، قد يُفهم بوصفه أحد تجليات هذا العقل الكوني في وعي الإنسان داخل لحظة تاريخية معينة، بلغة يفهمها مجتمع محدد وفي سياق ثقافي معين.
بهذا المعنى يمكن القول إن النصوص الدينية ليست بالضرورة كلمات أزلية حرفية خارج التاريخ، بل تجليات روحية ومعرفية للعقل الكوني ظهرت في زمان محدد وأدركها الإنسان ضمن إطار زمن إدراكي محدود. وهنا يمكن إدخال فكرة كانط بأن الزمن هو إطار داخلي لتنظيم الإدراك البشري للأحداث، بينما يظل الأزلي من الخارج جزءًا من النظام الكوني الشامل. كما يمكن الاستعانة بفلسفة هيجل في فهم النظام الكوني بوصفه عقلًا شاملًا يتكشف تدريجيًا في التاريخ والوعي.
وإذا أخذنا القرآن مثالًا، فيمكن النظر إليه بوصفه نصًا دينيًا غنيًا بالمعاني والإشارات الأخلاقية الكبرى، يمكن للعقل الإنساني إعادة قراءة كثير من نصوصه في ضوء تطور المعرفة والوعي الإنساني. فالنص الديني، مهما بلغت قدسيته، يظل بحاجة إلى فهم وتأويل إنساني متغير بما يتوافق مع العقل والمنطق والقيم الأخلاقية.
وفي هذا السياق كان للمعتزلة في التراث الإسلامي باع طويل؛ إذ حاولوا التوفيق بين الدين والعقل، ورأوا أن العقل أداة أساسية لفهم النصوص الدينية وتأويلها. وقد ذهبوا إلى القول بخلق القرآن في إطار رؤيتهم التي تجعل النص مرتبطًا بالتاريخ واللغة والفهم البشري، لا مجرد خطاب جامد خارج الزمن. ومن خلال هذا المنهج يمكن البناء على كثير من النصوص القرآنية بطريقة تنسجم مع العقل الكوني الأزلي ومع القيم الأخلاقية الإنسانية العامة.
أما الزمان فليس حقيقة مطلقة كما يتصور الإنسان في تجربته اليومية؛ فالزمان، من حيث هو إطار يدرك فيه الإنسان تعاقب الأحداث، هو في جانب منه بناء داخلي في وعي الإنسان. إن الإنسان يعيش الزمن بوصفه ترتيبًا متسلسلًا للحوادث في إدراكه، ولذلك يبدو له محدودًا ومخلوقًا ضمن تجربته الخاصة. لكن إذا نظرنا إلى الوجود من زاوية أوسع، يمكن تصور أن الزمان في ذاته أزلي من الخارج، جزء من النظام الكوني اللامحدود، بينما يظهر للوعي الإنساني محدودًا ومخلوقًا من الداخل.
أما ما يسمى بيوم القيامة، والجنة، والنار، فهي في الغالب صور رمزية كبرى صاغتها الأديان للتعبير عن فكرة العدالة الكونية؛ العدالة التي يشعر الإنسان بضرورتها العميقة في عالم يبدو أحيانًا غير عادل. إنها محاولة لإعطاء معنى أخلاقي لمسار الحياة الإنسانية.
غير أن الإنسان، مهما بلغ من ذكاء وتأمل، يبقى عاجزًا عن الجزم بحقائق هذه العوالم الغيبية. ولذلك فإن الفلسفة هنا لا تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، بل تقدم تصورات عقلية تساعد الإنسان على التفكير في مصيره والتخفيف من قلقه الوجودي.
انطلاقًا من ذلك يمكن اقتراح موقف إنساني بسيط: أن يمارس كل إنسان دينه وطقوسه التي نشأ عليها ما دامت تمنحه الطمأنينة الروحية، وأن ينظر إلى هذه الممارسات بوصفها جزءًا من ثقافته وتجربته الإنسانية، لا سببًا للصراع مع الآخرين.
وفي الوقت نفسه ينبغي أن يكون العقل الإنساني الكوني هو المرجعية العليا التي تلتقي عندها البشرية؛ عقل يقوم على المنطق والعدالة والرحمة واحترام الإنسان. فإذا تعارضت بعض الممارسات أو التأويلات الدينية مع هذه القيم الكونية، وجب إعادة النظر فيها في ضوء العقل.
بهذه الطريقة يمكن أن تبقى الأديان مسارات روحية متنوعة داخل الحضارة الإنسانية، بينما يشكل العقل والأخلاق المشتركة أرضية واحدة تجمع البشر.
فربما لا نستطيع إزالة جميع أسباب الصراع في العالم، لكننا نستطيع على الأقل أن ندرك أن الحقيقة أكبر من احتكار جماعة واحدة لها، وأن الإنسان، مهما اختلفت عقائده، يشترك مع غيره في عقل واحد وقلق وجودي واحد ومصير كوني واحد.
وعند هذه النقطة قد يبدأ عالم أكثر هدوءًا؛ عالم لا تُخاض فيه الحروب باسم السماء، بل يُترك للسماء أن تبقى مجالًا للتأمل، بينما يتولى العقل الإنساني مهمة تنظيم حياة البشر على الأرض.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .