
ثقافة التدجين: أمريكا نموذجاً ، بقلم : مصطفى عبدالملك الصميدي
تمثل الولايات المتحدة الأمريكية – بوصفها قوة عظمى – نموذجاً بارزاً لثقافة التدجين السياسي والاجتماعي. فهي لا تعتمد فقط على القوة العسكرية أو الاقتصادية لتحقيق مآرِبها، بل تستخدم مزيجاً مركباً من الحروب الخارجية سواء كانت مباشرة أو بالوكالة لإعادة تشكيل وعي الشعوب، وتوسيع نفوذها العالمي، بما يضمن لها ديمومة استقرارها الداخلي وتوحيد الرأي العام خلف خطاب الخطر الخارجي. فكل حرب تخوضها أمريكا تعيد تعريف العدو وتمنح المجتمع الأمريكي سبباً إضافياً للتماهي مع الدولة ومؤسساتها القائمة في جوهرها على موارد الآخرين.
منذ الثورة الصناعية، اشتغلت الولايات المتحدة الأمريكية على هذا المنطق القائم على إشعال الحروب الخارجية كوسيلة لإخماد التوترات الداخلية، والحفاظ على نسيجها الاجتماعي. فالاقتصاد الحربي، وصناعة السلاح، ومشاريع إعادة الإعمار، تشكل – بحد ذاتها – شبكة مصالح واسعة النطاق تُغذي النُّخب السياسية والمالية ومن فوقها اللوبيات الصهيونية، وتُبقي عجلة الاقتصاد الأمريكي في حركةٍ مستديمة. وهكذا، يصبح إشعال النزاعات في مناطق مختلفة من العالم جزءاً لا يتجزأ من آليةِ الاستقرار الداخلي الأمريكي بدرجة مساوية مع أطماعها التوسعية خارج حدودها الجغرافية وما وراءها.
في مثل هذا السياق، دائماً ما نجدها منخرطة بشكل جنوني على توظيف القوة الناعمة بوصفها الوجه الأكثر نعومةً للتدجين العالمي. فالإعلام والسينما ومؤسسات الاستقطاب الثقافي، والمنظمات الدولية، والخطابات المشحونة بشعارات الحقوق، تُستخدم لإعادة تشكيل وعي الشعوب، وتقديم النموذج الأمريكي باعتباره معياراً للحداثة والحرية والديمقراطية وصناعة الأحلام. هذه الوسائل الدعائية لا تفرض الهيمنة باستخدام القوة المباشرة، بل تسعى إلى إقناع الآخر بتبنّي القيم الأمريكية طوعاً، أو على الأقل قبولها بوصفها أفقاً وحيداً ممكناً.
غير أن القوة الناعمة لا تعمل بمعزلٍ عن القوة الصلبة، بل تتكامل معها لإخراج استراتيجية متكاملة النفوذ. فعندما تخفق أدوات الجذب والإقناع، تُفعَّل بدائل أكثر خشونة: العقوبات الاقتصادية، والضغوطات السياسية، والانقلابات المدعومة، والتدخلات العسكرية. هذه الثنائية – الجذب ثم الإكراه – تمثل ماهية ثقافة التدجين الأمريكية: إخضاع الشعوب دون تدمير صورة الهيمنة، وبسط النفوذ مع الحفاظ على خطاب ديمقراطي وتحرري وأخلاقي وإنساني ظاهري.
وبهذا الأسلوب المتعالي في الذات النرجسية، تُعيد الولايات المتحدة إنتاج عالم غير متكافئ؛ أي ما يُسمى بإنتاج دول تابعة سياسياً واقتصادياً، ونُخب محلية مرتبطة بالمركز الأمريكي ولوبياته الصهيونية، وشعوب تُدجَّن عبر الإعلام والاستهلاك والخوف المصطنع. في المقابل، يحافظ الداخل الأمريكي على تماسكه، ونسيجه السياسي والاجتماعي إذ يُقدَّم التوسع الخارجي، الذي يقترب في جوهره من الاستيطان غير المباشر، بوصفه دفاعاً مقدساً عن القيم الأمريكية لا باعتباره مشروع هيمنة مقيت.
ختاماً، يمكن القول أن ثقافة التدجين الأمريكية غدتْ أداة استراتيجية شاملة، تجمع بين القوة الناعمة والصلبة، وتستخدم الحروب التدميرية والنفوذ الاقتصادي والثقافي لإدارة العالم بعقلية استيطان حداثي وضبط الداخل في آنٍ معاً. فكل حرب تُشعل بعيداً، وكل أزمة تُصنع خارج الحدود، تُسهم في إطالة عمر النظام السياسي والاجتماعي في المركز الأمريكي، ولو كان الثمن استقرار العالم وأمن شعوبه. إن فهم هذه الثقافة التدجينية يتيح كشف آليات السيطرة الأمريكية وتحليل تأثيرها على الاستقرار الدولي والوعي السياسي، ويبرز أهمية الوعي والمقاومة بوصفهما شرطين لحفظ السيادة والاستقلال.
- – مصطفى عبدالملك الصميدي – اليمن
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .