9:50 مساءً / 10 مارس، 2026
آخر الاخبار

يدٌ حانيةٌ ببزّةٍ عسكرية : حكاية إنسانية من شوارع الخليل ، الرقيب أول عادل العطاونة نموذجاً ، بقلم : د. منى أبو حمدية

“يدٌ حانيةٌ ببزّةٍ عسكرية: حكاية إنسانية من شوارع الخليل” (الرقيب أول عادل العطاونة نموذجاً) بقلم : د. منى أبو حمدية

في زمنٍ تتكاثر فيه الأخبار القاسية، وتثقل فيه الأيام على الناس بفعل الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة التي تمر بها فلسطين، يسطع أحياناً مشهدٌ صغير في حجمه، عظيمٌ في معناه، ليعيد التذكير بجوهر الإنسان، وبالرسالة النبيلة التي يحملها أبناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية في خدمة مجتمعهم.

هذا المساء، وبينما كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي في لحظة هدوء من ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، استوقفني مقطعٌ مصوَّر يتداوله الناس بإعجاب واحترام. لم يكن مقطعاً صاخباً ، ولا حدثاً كبيراً من حيث الظاهر، لكنه كان يحمل في تفاصيله إنسانية عميقة، كفيلة بأن تجعل المرء يتوقف قليلاً ويتأمل.

في قلب مدينة الخليل، وسط حركة الناس وضجيج الشارع، ظهر رجل أمنٍ فلسطيني ببزّته العسكرية، يسير إلى جانب رجلٍ كفيفٍ مسنّ. كان المشهد بسيطاً، لكنه مفعمٌ بالمعنى؛ يدٌ قوية تمسك برفق بيدٍ أنهكها العمر، وخطواتٌ واثقة تقود خطواتٍ متعبة تبحث عن طريقها وسط ازدحام المدينة.

لم يكن الأمر مجرد إرشادٍ عابر في الطريق، بل موقف إنساني كامل. فقد أخذ رجل الأمن بيد الرجل الكفيف المسنّ برفقٍ واضح، وقاده بحرص عبر الشارع حتى أوصله إلى سيارة أجرة. ثم تحدث إلى السائق بلطف، طالباً منه إيصال الرجل إلى وجهته، قبل أن يدفع له أجرة الطريق.

في تلك اللحظة، بدا المشهد وكأنه لوحة إنسانية صغيرة في شارعٍ مزدحم؛ لوحة تختصر معنى الرحمة والنخوة دون أن تحتاج إلى كلمات.

ولأن مثل هذه اللحظات تستحق أن تُوثَّق، أخذت أبحث عن اسم صاحب هذا الموقف النبيل، حتى توصلت إلى أنه الرقيب أول “عادل العطاونة”، من جهاز الأمن الوطني الفلسطيني.

عندها أدركت أن ما شاهدته لم يكن مجرد تصرف عابر، بل صورة مشرّفة لرجل أمنٍ فلسطيني يجمع بين هيبة بزّته العسكرية ودفء قلبه الإنساني.

وقد لخّصت العبارة التي رافقت الفيديو المتداول هذا المعنى بأجمل ما يكون:

“بين هيبة بزّتك العسكرية ودفء قلبك الرحيم،
خططتَ أبهى معاني الشهامة والنبل.”

إن أبناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية ليسوا مجرد حراسٍ للنظام العام، بل هم أبناء هذا المجتمع، يحملون همومه ويعيشون تفاصيل حياته اليومية. يقفون في الشوارع، وعلى المفارق، وفي المؤسسات، يسهرون على حفظ الأمن والأمان، في وطنٍ ما زال يعيش تحديات معقدة وظروفاً سياسية صعبة.

وفي خضم هذه الظروف، تكتسب المواقف الإنسانية قيمة مضاعفة؛ لأنها تكشف الوجه الحقيقي لرجل الأمن الفلسطيني، بوصفه إنساناً قبل كل شيء، وسنداً للمجتمع الذي ينتمي إليه.

ما فعله الرقيب أول (عادل العطاونة ) مع ذلك الرجل الكفيف المسنّ ليس مجرد عملٍ فردي جميل، بل هو صورة تختصر معنى الأمن في أسمى صوره؛ الأمن الذي لا يقتصر على حماية الشارع فحسب، بل يمتد ليحفظ كرامة الإنسان أيضًا.

فالأمن الحقيقي لا يُقاس فقط بالقوانين والإجراءات، بل يُقاس كذلك بقدرة رجل الأمن على أن يكون عوناً للضعيف، ويداً ممدودة لمن يحتاج المساعدة.

إلى الرقيب أول عادل العطاونة:


لقد قدمتَ نموذجاً مشرّفاً لرجل الأمن الفلسطيني، وأثبتَّ أن الشهامة ليست شعاراً يُرفع، بل سلوكاً يومياً يُمارس في أبسط المواقف. إن ما فعلته يستحق التقدير والتكريم، لأنه يعكس القيم النبيلة التي نريد أن نراها دائماً في مؤسساتنا الوطنية.

رسالة إلى المجتمع:

إن تقدير مثل هذه المواقف ونشرها هو جزء من مسؤوليتنا المجتمعية، فالمجتمعات القوية لا تكتفي بانتقاد الأخطاء، بل تضيء ايضاً على النماذج المشرقة التي تستحق الاحترام. فالكلمة الطيبة والاعتراف بالجميل يعززان جسور الثقة بين الناس ومؤسساتهم.

رسالة إلى أبناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية:

أنتم تقفون في الصفوف الأولى لحماية المجتمع وصون الاستقرار، وكل موقف إنساني تقومون به يعزز صورة رجل الأمن بوصفه حارساً للكرامة قبل أن يكون حارساً للنظام. فاستمروا في أداء رسالتكم النبيلة، لأن الأمن الحقيقي يبدأ من إنسانيتكم.

وفي نهاية هذا المشهد البسيط العميق، تبقى صورة ذلك الرجل الكفيف المسنّ، وتلك اليد التي قادته برفق عبر الشارع، علامة مضيئة في ذاكرة المدينة.

مشهدٌ صغير في ظاهره…

لكنه كبير بما يحمله من معنى النبل الفلسطيني.

  • – د. منى أبو حمدية – أكاديمية و باحثة

شاهد أيضاً

المبعوث الخاص الصيني إلى الشرق الأوسط تشاي جيون يلتقي وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان

شفا – التقى المبعوث الخاص الصيني إلى الشرق الأوسط تشاي جيون مع وزير الخارجية السعودي …