
فلسطين نقطة اختبار النفوذ الدولي ، بقلم : سالي ابو عياش
بين الحروب السياسية والصراعات الاقتصادية، ومن خلف جدران غزة المهدّمة، والتوترات الإقليمية والتغيرات السياسية في المنطقة، يبدو أن العالم يُعاد رسمه. فخطوات ترامب اليومية، الهوجاء أحياناً، المدروسة أحياناً أخرى، لا تترك شيئاً كما كان؛ فمن استيطان الضفة الغربية إلى التحركات نحو إيران وحزب الله، ومن صراع السلطة في فنزويلا إلى النفوذ الاستراتيجي في غرينلاند، كل شيء يلتقي في لوحة واحدة تتغير فيها قواعد اللعبة بسرعة غير مسبوقة.
ففلسطين وكما يبدو، ليست مجرد قطعة على الرقعة، بل مختبراً لاختبار الشرعية الدولية واستمرارية الصراع الإقليمي. فكل خطوة، كل قرار، وكل تصريح يكتب صفحة جديدة من الخرائط التي ستحدد شكل العالم القادم، فقطاع غزة اليوم ليس مجرد مدينة محاصرة، بل مختبر حي لإعادة توزيع القوة السياسية والجغرافية، بدءاً من اتفاق وقف إطلاق النار ومراحله والمفاوضات القائمة منذ إعلان وقف إطلاق النار الذي لم ينته وصولاً إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة برئاسة المفوض العام الدكتور علي شعث تبدو التجربة التكنوقراطية اختباراً مباشراً لإمكانية إدارة المناطق الهشة، وفي هذا السياق، تأتي خطوة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، والمنبثقة عن اجتماعات القاهرة وبدعم من مجلس الأمن وقرار ترامب، تم تفويضها لتولي المسؤوليات المدنية والأمن الداخلي في القطاع والإشراف على استقراره وتعافيه وإعادة إعماره.
لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام سؤال كبير عن مستقبل القطاع. تصريحات شعث أشارت إلى أن هذه اللجنة هي خطوة محسوبة نحو إعادة بناء مجتمع ملتزم بالاستقرار والكرامة والسلام، لكن في المقابل هناك سيناريو أكثر قتامة: وجود قيادة أمريكية ضمن اللجنة، وتعيين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية، يجعل الواقع أقرب إلى إدارة خارجية مفروضة على غزة، تتحكم في القرار المدني والأمني باسم الاستقرار، بينما تصبح الفصائل والسلطة الفلسطينية والمجتمع المحلي مجرد متفرجين على ما يُقرر باسمهم.
هذا التناقض يعكس تماماً الحالة التي يصفها الواقع: بين إعادة الإعمار الموعودة والخطط المدروسة من جهة، وبين واقع السيطرة الخارجية والفقدان التدريجي للقرار الوطني من جهة أخرى. لذلك، أي احتفالات أو تهاني تُقام الآن تبدو premature، فيما غزة نفسها لا تزال تحت مظلة النفوذ الخارجي، والقرارات المهمة تُكتب مسبقاً بعيداً عن الشارع الفلسطيني. وهنا تتجلى التجربة التكنوقراطية نموذجاً حياً للتناقض بين المظهر الإداري والواقع السياسي الفعلي، وبين الخطوات المحسوبة والتهديدات الكامنة في واقع الإدارة الأجنبية، ما يجعل كل حركة في غزة اختباراً مباشراً لمدى قدرة المجتمع الفلسطيني على استعادة قراره ومستقبله.
لا يمكن فصل هذا عن الاستيطان المستمر في الضفة الغربية، الذي أصبح أداة استراتيجية لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني. المستوطنات التي تتوسع يومياً، البؤر الجديدة، والطرق الالتفافية التي تربطها، تمثل محاولة لإعادة كتابة الخرائط الديمغرافية والسياسية بما يخدم الاحتلال طويل المدى. عمليات الهدم التي تستهدف منازل الفلسطينيين، إغلاق الطرق، الحواجز العسكرية المنتشرة، وفرض القيود على حركة السكان، ليست مجرد إجراءات عابرة، بل سياسة ممنهجة لتقليص السيطرة الفلسطينية على الأرض وإضعاف القدرة على اتخاذ القرار الوطني.
بالإضافة إلى ذلك، تعمل هذه الإجراءات على تفكيك البنية الاجتماعية والاقتصادية الفلسطينية، إذ تُسلب الأراضي الزراعية، وتُحول الموارد الحيوية إلى مناطق تحت السيطرة الإسرائيلية، بينما يُجبر الفلسطينيون على العيش في مناطق محدودة ومحاصرة، مما يزيد من الاعتماد على الاقتصاد الاحتلالي ويحد من استقلالية المجتمع المحلي. كل خطوة في الضفة الغربية، سواء توسع مستوطن أو هدم منزل أو إقامة حاجز جديد، ليست مجرد حدث محلي، بل جزء من خطة استراتيجية لإعادة توزيع القوة على الأرض وربطها بالسياسات الإقليمية والدولية.
هذا الواقع يجعل الربط بين غزة والضفة أكثر وضوحاً، حيث تشكل كلتا المنطقتين اختباراً للنفوذ الخارجي وإمكانية إدارة الفلسطينيين لشؤونهم، ويكشف مدى هشاشة القرار الفلسطيني في مواجهة استراتيجيات الاحتلال. فالضفة الغربية اليوم ليست مجرد خلفية للصراع، بل قلب المعركة على الأرض، ومؤشر واضح على قدرة الفلسطينيين على الصمود، واستمرار المشروع الوطني في ظل التحديات الإقليمية والدولية.
على الجبهة الشمالية، تمثل إيران وحزب الله قوة ردع استراتيجية تُعيد تشكيل التوازن الإقليمي. كل صاروخ يُطلق من الجنوب اللبناني، وكل تحرك سياسي في بيروت، ليس عشوائياً، بل رسالة مدروسة لإسرائيل والولايات المتحدة. لبنان نفسه أصبح ساحة لتجربة الحدود الجديدة للنفوذ الإيراني، فيما كل خطوة في طهران أو الضاحية الجنوبية تحمل انعكاسات مباشرة على اللعبة الإقليمية بأكملها، لتؤكد أن ما يبدو فوضوياً على السطح يخفي خططاً دقيقة وحسابات محسوبة مرتبطة بالتحولات العالمية.
ترامب، من جانبه، يمثل حالة فريدة على الساحة الدولية. تصرفاته تبدو أحياناً هوجاء وعنيفة، لكنها غالباً ما تكون مدروسة بعناية لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى. انسحاب من الاتفاقيات الدولية، إعادة ترتيب التحالفات، التهديدات الاقتصادية اليومية، كل هذه التحركات تعيد رسم قواعد اللعبة بسرعة غير مسبوقة. الفوضى الظاهرية، عند مراقبتها وتحليلها، تكشف عن خطط محكمة لإعادة توزيع النفوذ الدولي، ما يجعل كل خطوة أمريكية في أي قارة جزءاً من خريطة عالمية أكبر.
حتى المناطق البعيدة تبدو متصلة بهذه التحولات الكبرى. فنزويلا تمثل ساحة مواجهة القوى الأمريكية مع خصوم خارج التبعية، وتجربة للتدخلات المباشرة وغير المباشرة، بينما غرينلاند باتت موقعاً استراتيجياً يتحكم بالممرات البحرية والموارد الطبيعية، وجزءاً لا يتجزأ من صراع القوى الكبرى. هذه الأمثلة تؤكد أن التغير الجيوسياسي عالمي ومترابط، وأن ما يبدو فوضوياً أحياناً هو في الحقيقة جزء من خطة مدروسة لتحويل الواقع الدولي تدريجياً.
العالم اليوم على مفترق طرق: إما بين نظام متعدد الأقطاب محتمل أن يكون أكثر توازناً وعدالة، أو بين استمرار الصراعات التي تجعل المناطق الهشة مجرد لوحات على خرائط القوى العالمية. ما يبدو هوجاء أحياناً قد يكون محسوباً بعناية، وما يبدو فوضوياً على السطح قد يكتب خرائط العالم الجديد.
بين الرماد والخطط المدروسة، ستبقى فلسطين في قلب هذه المعادلة فقرار اللجنة الوطنية لإدارة غزة يمثل نموذجاً حياً لهذه الخطوات المدروسة على الأرض، لكنه يظل محفوفاً بالسيناريوهات المتناقضة التي ستحدد مستقبل القطاع بالفعل.
بين الاختبارات المحلية والسياسات العالمية، تظل الخريطة الجيوسياسية الجديدة تتشكل أمام أعيننا، حيث تصبح كل خطوة في غزة، كل تحرك في لبنان أو المنطقة برمتها، وكل قرار أمريكي أو إيراني، جزءاً من إعادة ترتيب عالمي مدروس، ليس على الورق فقط، بل على الأرض، في قلب مناطق الهشاشة والتوتر.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .