
لديّ أمنية ، بقلم : سارة القصبي
لديّ أمنية أن أراك لمرة أخيرة،
مثل آخر مرة.
أُعيد المشهد نفسه مكررًا
في عقلي،
بنهايات مختلفة
أو بإضافات ورتوش جديدة.
بالأمس مثلًا..
رأيتنا نمشي سويًا،
ثم نعود إلى المنزل متشابكين الأيادي.
هذه المرة
كنت أُقبل شامات ظهرك أمام أمي.
لم تكن ترتدي نظارتها الليلية،
فأسرق قبلات سريعة
دون أن تشي بنا الحياة لكبيرها.
أُمرر أصابعي بين شعرك،
ألتصق جيدًا بظهرك،
فترانا النظّارة شخصًا واحدًا،
كأنه خطأ في التصميم
أو مجرد شيء عالق بعدسة قديمة.
أُمرر يدي على ندباتك القديمة،
فترتعش،
كما كنت تخبرني
أن يدي محاولة طبية ناجحة
لهدم كل الأصوات الخبيثة بداخلك.
فقط أضع يدي على صدرك،
والأخرى تمرّ بخفة فوق ظهرك،
فيتناثر أمام عينيك
كل ما يؤذيك
كغبارٍ سحري
يحفه الخطر.
ترجف رجفة أعرفها جيدًا،
رجفة انفصال جسد عن جسد.
حينما تراودك تلك الرعشة
تتمسك جيدًا بيدي الصغيرتين،
وتبدو حينها صغيرًا جدًا،
تبدو في بدايات الوجود،
ذلك المولود الرقيق
يتفتح أمامي عالم غريب،
تؤنسني فيه تلك الرقة
الصادرة من جسد ضخم
وكفين عريضتين
يمكن أن تقتلا رجلين
بهدوءٍ تام.
حينها أتمنى ألا تَفلت من يدي،
وتظل هكذا،
طفلي الوديع.
أتذكر جيدًا رغبتك في البكاء،
رغبة طفلٍ أغر
يرغب في النوم
على صدر امرأة حنونة،
ليشرع في نحيب رجل بالغ
تلتهمه الحياة.
لم أسألك سبب البكاء،
أنا…
أخجل كثيرًا من البوح بكلمات الحب،
أخجل أن أقول: حبيبي.
لا أعلم كلمات المداواة
ولا تلك المداعبات اللغوية.
لم أنشأ يا عزيزي على هذا النوع من المؤانسة.
تربيت كعسكري حدود
لا تلائمه ملابس الجنود.
أسقط داخل ملابسي
وأعيش دور البندقية،
أدوي كالرصاص
إذا اقترب أحد من جسدي
أو حاول شخص أن يلمس ملابسي.
يمكنني ببساطة
أن أتحول إلى شريطٍ كامل من الرصاص
فوق رأسك،
على أن أقول: من فضلك،
أو أن أنادي أحدهم: حبيبي.
ولكن… ولكنّي
كنت أُدلّلك
بأكثر الكلمات
التي لا أطيق أن ينطقها
قاموسي اللغوي لأي أحد.
قد يثقل لساني
وتتوقف عضلة النطق
إذا حاولت يومًا
مجاملة شخص
أو ادعاء الحب!..
ولكن ليلتها
أخبرتك كل الكلمات،
انطلق فمي بحنايا الوصف،
وكل رموز الغنج
التي كنت أسمعها
ولا أرددها مهما حدث.
أُقبل يدك،
وأُقلدك بالمثل،
أتذوق دموعك،
لأفهم يومها
عندما نعتُّك بالأحمق
الذي يتذوق الدموع،
أن لماء عينيك..طعم الحياة.
أُقبل عينيك،
ولا أطالبك بوقف البكاء،
حتى اطمأن صوتك
وهدأ ما بداخلك.
لقد أفسدتُ لأجلك أيها الغبي
قاموسي العسكري الخاص،
وجرّبتُ
طرقًا جديدة في الحب.
تعلّمت لأول مرة
أن أتخلى عن دور
الشخص العاقل الرصين،
أن أهب الكلمات دون توقف.
أجد في هذه الصورة
امرأة لا أعرفها الآن،
وضعتها في بورتريهات ذهبية
وعلّقتها على جدار الغرفة،
أطالعها وأخجل.
من تلك الليلة
كيف قلت لك: يا حبيبي،
وخُيل إليّ حينها
أن صياغة شعوري
هي حميمية مقبولة.
أضحك على صورتي
وهي تمد يديها
ليدٍ ستهرب مني لاحقًا.
أضحك كثيرًا
على صورة أخرى
تُودّع رجلًا
والدموع تسوق قدميّ
وتُغرق الأرض
حتى باب المنزل.
وأنتَ
تهبط ملوحًا لي بوداع،
وتعلم بداخلك
أن هذا آخر لقاء.
اليوم،
وأنا أكتب هذا النص،
فهمت لماذا كنت تبكي.
كانت آخر مرة
تطوّق بها جسدي،
كنت تعلم أنني أحبك
بسذاجة طفل،
أو طفلك
الذي تكونه
عندما تقرر.
كنت تودعني في كل شيء،
كل مافعلته كان وداعًا،
كل شيء…
كنت تعلم أن حبنا سيصير ماضيًا.
لم يكن الأمر عادلًا.
تركتني أتخبط
في صوري المُعلّقة،
وأرى ذلك الجندي الظريف
متقاعدًا،
ويهذي كل ليلة
عن بندقية ضائعة.
لم يكن ذلك عادلًا.
سارة القصبي
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .