
الاحتلال يسحب صلاحيات التنظيم والبناء في الحرم الإبراهيمي… خطوة تهويدية جديدة تحت غطاء “الترميم” ، بقلم: د. منى أبو حمدية
أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مؤخراً على سحب صلاحيات التنظيم والبناء في الحرم الإبراهيمي الشريف من بلدية الخليل، وصادقت في الوقت ذاته على مشروع سقف صحن الحرم، في خطوة خطيرة تندرج ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى بسط السيطرة الإسرائيلية الكاملة على أحد أقدس المقدسات الإسلامية في فلسطين.
إن هذه الإجراءات لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق العام لسياسات الاحتلال في البلدة القديمة من الخليل، حيث يسعى الاحتلال بشكل متواصل إلى تقويض الصلاحيات الفلسطينية، وإضعاف مؤسسات الدولة الوطنية، وعلى رأسها البلديات والهيئات الرسمية، تمهيداً لإحلال منظومة سيطرة استعمارية تتحكم بالمكان والإنسان والتاريخ معاً.
الحرم الإبراهيمي الشريف هو وقف إسلامي خالص، وملك للمسلمين وحدهم، وتعود قدسيته الدينية والتاريخية إلى آلاف السنين، وهو ليس موقعاً قابلاً للتقسيم أو إعادة التعريف وفق الرواية الاحتلالية. كما أن الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة في الخليل مدرجان على لائحة التراث العالمي لدى منظمة اليونسكو، باعتبارهما موقعاً تراثياً إنسانياً مهدداً بالخطر، الأمر الذي يجعل من أي تدخل أحادي الجانب انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولاتفاقيات حماية التراث الثقافي.
وتحاول سلطات الاحتلال تسويق مشاريعها على أنها “أعمال ترميم وتطوير”، إلا أن الوقائع على الأرض، وخبرة السنوات الطويلة في التعامل مع سياسات الاحتلال، تؤكد أن نوايا الاحتلال لا تمت للترميم بصلة، بل تهدف إلى فرض وقائع تهويدية جديدة، وتغيير الطابع الديني والتاريخي للمكان، وبسط النفوذ الأمني والاستيطاني عليه.
الأخطر في هذه الخطوة هو منح المستوطنين صلاحيات مباشرة وغير مباشرة للعبث بالموروث الديني الإسلامي داخل الحرم الإبراهيمي، وفرض رؤيتهم الأيديولوجية على معلم ديني وتاريخي إسلامي، في انتهاك فاضح لقدسيته، ولمشاعر المسلمين في فلسطين والعالم.
إن سحب الصلاحيات من بلدية الخليل ليس إجراءً إدارياً عابراً، بل هو جزء من سياسة ممنهجة تستهدف تفريغ المؤسسات الفلسطينية من مضمونها، وتحويلها إلى هياكل بلا سلطة، في مقابل تكريس الاحتلال كمرجعية وحيدة تتحكم بالمقدسات وبالفضاء العمراني والتاريخي للمدينة.
أمام هذه الانتهاكات المتصاعدة، تبرز الحاجة الملحّة إلى موقف فلسطيني رسمي وشعبي موحّد، وإلى تحرك قانوني ودولي فاعل، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في حماية التراث الإنساني، ووقف محاولات تهويد الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة في الخليل، باعتبارهما جزءاً لا يتجزأ من الهوية الدينية والتاريخية والثقافية للشعب الفلسطيني.
فما يجري اليوم في الحرم الإبراهيمي ليس مشروع ترميم، بل مشروع سيطرة وطمس للهوية، يستهدف المكان والذاكرة معاً، ويستدعي مواجهة واعية تستند إلى التاريخ والقانون والحق الثابت الذي لا يسقط بالتقادم.
- – د. منى أبو حمدية – دكتوراه في التاريخ والآثار





شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .