
محافظة سلفيت تحت الهندسة القسرية : دلالات التصعيد الإسرائيلي كمقدمة لإعادة تشكيل الضفة الغربية ، بقلم : د. عمر السلخي
لم تعد الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على محافظة سلفيت، بما فيها الاقتحامات اليومية للقرى والبلدات، واعتداءات المستوطنين المتكررة، وإقامة البؤر الاستيطانية، حدثاً عابراً أو مجرد “تجاوزات أمنية” كما تحاول دولة الاحتلال تصويرها، بل باتت تشكّل ملامح مرحلة جديدة تستهدف إعادة تشكيل الضفة الغربية سياسياً وجغرافياً وأمنياً وديموغرافياً.
فما يجري في محافظة سلفيت ليس معزولاً عن مشروع “اليوم التالي لغزة”، بل يمثل ـ بشكل مكثف ـ مختبراً ميدانياً لفرض واقع جديد يقوّض الوجود الفلسطيني، ويُحكم سيطرة الاحتلال على المنطقة برمتها تحت غطاء القوة العسكرية والمستوطنين.
الهندسة العسكرية للمكان: اقتحامات ممنهجة وتطويق للقرى
تتعرّض بلدات وقرى محافظة سلفيت لاقتحامات شبه يومية تُنفذها قوات الاحتلال بصورة مدروسة تستهدف المراكز السكانية ومحيطها.
فالاقتحامات تحولت إلى أداة لإحكام السيطرة على المجال الفلسطيني عبر:
نشر الحواجز الطيارة في الطرق الرئيسية والفرعية،تفتيش المواطنين والتنكيل بهم .
تطويق البلدات ليلاً، وإظهار وجود عسكري دائم يخلق حالة إنهاك نفسي ومجتمعي.
ويضاف إلى ذلك وجود كاميرات المراقبة على الشوارع الرئيسيه و (27) بوابة حديدية توزعها إسرائيل على مداخل القرى والبلدات في المحافظة، بحيث يمكن إغلاقها خلال دقائق وفرض حصار فعلي على عشرات آلاف المواطنين. هذه البنية الحديدية ليست مجرد إجراء أمني بل جزء من هندسة “الفضاء المتحكم به” الذي يسمح بإحكام السيطرة وقطع التواصل الجغرافي بين القرى ومركز المحافظة.
تغوّل المستوطنين: ذراع رديفة لفرض السيطرة
في محافظة سلفيت، يتجسد بوضوح دور المستوطنين كقوة شبه رسمية تتحرك بلا محاسبة، وتعمل ضمن رؤية أيديولوجية توسعية.
فالاعتداءات المتكررة على مسجد بديا والاعتداء الذي سبقه على مسجد ديراستيا، إلى جانب هجمات المستوطنين على المزارعين في محيط القرى، ليست حوادث منفصلة، بل جزء من استراتيجية تتكامل مع الجيش لإخضاع المجتمع الفلسطيني.
وتتمركز الاعتداءات خصوصاً في المناطق المحاذية للمستوطنات والتي وصل عددها ٢٤ مستوطنه و ٩ بؤر استيطانيه تتوزع على المناطق المختلفه في محافظة سلفيت .
المستوطنون اليوم يتحركون بجرأة غير مسبوقة، معتمدين على دعم حكومي مباشر يهدف إلى تعزيز مشروع “يهودا والسامرة الكبرى”، وتحويل المستوطنات إلى مراكز سيطرة تبتلع المجال الفلسطيني تدريجياً.
البؤر الاستيطانية: تثبيت الوقائع على الأرض
شهدت محافظة سلفيت خلال السنوات الأخيرة واحداً من أعلى معدلات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.
فالبؤر العشوائية ـ التي تبدأ بخيمة أو كونتينر ـ تتحول خلال أشهر إلى مواقع توسّع استيطاني مدعومة بالطرق الالتفافية وشبكات المياه والكهرباء التي توصلها الحكومة الإسرائيلية بكل سهولة.
مثل البؤره التي أقيمت في منطقة الراس غرب مدينة سلفيت والبؤره التي أقيمت غرب قريه فرخه وغرب قرية رافات وشمال بديا في منطقه خله حسان.
هذه البؤر تُستخدم لإحكام السيطرة على الأراضي الزراعية والينابيع والمراعي، ولتضييق الخناق على المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، ما يخلق بيئة طاردة تدفع السكان نحو النزوح التدريجي، وهو الهدف الحقيقي للاستيطان.
سياسة الهدم وإنذارات وقف البناء: تفريغ ديمغرافي تدريجي
تواجه العشرات من العائلات في محافظة سلفيت إنذارات هدم ومصادرة معدات البناء، خصوصاً في المناطق المصنفة (ج)،والتي تصل نسبتها ٦٠% في الضفه في حين انها الأعلى في محافظة سلفيت لتصل إلى ٧٦% من أراضي المحافظة ، حيث يستخدم الاحتلال سياسة “الإجراءات القانونية” لحرمان الفلسطينيين من التطور العمراني، ومنع توسع بلداتهم.
وتشهد المحافظة عمليات هدم لمنازل ومنشآت بحجة البناء دون ترخيص، رغم أن الاحتلال نفسه يرفض منح التراخيص، ما يجعل البناء “مخالِفاً” قسراً.
هذه السياسة تهدف إلى:
وقف النمو الطبيعي للسكان،تفريغ المناطق الحيوية، وخلق تباعد جغرافي يسهل ضمه لاحقاً للمشروع الاستيطاني.
منهج السيطرة الشاملة: محافظة سلفيت كمرآة لمشروع إعادة تشكيل الضفة
يظهر من خلال تتبع هذه السياسات أن محافظة سلفيت تتحول إلى نموذج تطبيقي لمشروع إسرائيلي أوسع يسعى لـ:
- تفكيك المجال الفلسطيني وقطع طرق التواصل بين القرى والمدن.
- تحويل المستوطنين إلى قوة أمنية رديفة تعمل بلا قيود.
- تثبيت نموذج “الدولة الواحدة بنظامين” الذي يجعل الفلسطينيين بلا سيادة وبلا قدرة على إدارة شؤونهم.
- تجريد مناطق (أ) من مضمونها السياسي والأمني عبر الاقتحامات المستمرة.
- إضعاف السلطة الفلسطينية وتصويرها أمام الناس كعاجزة عن حماية المجتمع.
بهذا المعنى، فإن ما يحدث في محافظة سلفيت هو جزء من عملية سياسية بملامح عسكرية لا تعلن رسمياً، لكنها تتكشف من خلال الوقائع اليومية.
البعد الاقتصادي: الضغط المعيشي كسلاح استراتيجي
يعتمد الاحتلال في سلفيت على سياسة “الخنق الاقتصادي”، من خلال:
إغلاق المداخل، منع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، محاصرة المزارعين، تعطيل الحركة التجارية، وملاحقة الورش والمعدات الإنشائية.
هذه السياسة تهدف إلى إنهاك المجتمع وإضعاف قدرته على الصمود، وإعادة إنتاج تبعية اقتصادية كاملة للاحتلال.
الاحتلال يسابق الزمن لرسم خرائط اليوم التالي
تتحرك إسرائيل في الضفة ـ ومحافظة سلفيت تحديداً ـ مستفيدة من:
الغطاء الدولي الضعيف، انشغال العالم بالحرب على غزة، دعم حكومي للمستوطنين، وعجز النظام الدولي عن فرض أي التزام على الاحتلال.
في هذه البيئة، تصبح الاعتداءات والاقتحامات وتوسيع المستوطنات ركائز لإعادة تشكيل الضفة الغربية وفق رؤية إسرائيلية منفردة.
محافظة سلفيت… حجر اختبار لإعادة تشكيل الضفة
تسعى إسرائيل من خلال محافظة سلفيت إلى فرض نموذج سيطرة طويلة المدى، يقوم على:
توسيع المستوطنات ودمجها بما يسمى “يهودا والسامرة الكبرى”.
تفكيك البنية الاجتماعية السكانية الفلسطينية.
خلق بيئة غير قادرة على إنتاج مقاومة شعبية أو مسار سياسي حقيقي.
إظهار السلطة الفلسطينية كعاجزة، تمهيداً لفرض “ترتيبات أمنية بديلة”.
سلفيت، بكونها المحافظة الأكثر تداخلاً مع الخارطة الاستيطانية، أصبحت تمثل بوابة لإعادة تشكيل الشمال والوسط معاً، ولرسم واقع جديد قبل الوصول إلى أي اتفاق سياسي محتمل.
البعد الداخلي الإسرائيلي: استثمار العدوان
التصعيد في سلفيت يخدم أيضاً أجندات داخلية إسرائيلية:
منح الحكومة اليمينية المتطرفة “إنجازات ميدانية” لتجاوز أزماتها.
إرضاء قواعد المستوطنين التي تدفع نحو ضمّ الضفة.
إعادة بناء صورة الجيش بعد 7 أكتوبر.
سلفيت أمام لحظة تاريخية
إن ما يجري في محافظة سلفيت ليس حدثاً أمنياً عابراً، بل فصل من عملية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة الضفة الغربية.
ورغم قسوة المشهد – اقتحامات، اعتداءات مستوطنين، هدم، حصار، ومصادرة للأرض – إلا أن التجربة الفلسطينية أثبتت أن الهوية الجمعية قادرة على التجدّد، وأن محاولات الهندسة القسرية لا تنتج استقراراً ولا واقعاً دائماً.
سلفيت اليوم أمام مرحلة معقدة، لكنها أيضاً أمام فرصة لإعادة بناء الوعي الجمعي، وتعزيز الصمود، وصياغة أدوات مواجهة سياسية وشعبية قادرة على حماية الأرض والوجود في معركة يتجاوز أثرها حدود المحافظة إلى مستقبل الضفة كلها
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .