
مئة عام من الصراخ… ومخازن الوعي المؤجّلة ، بقلم : معمر يوسف العويوي
ضمن أدب المقاومة
منذ قرنٍ كامل، لم تهدأ الساحة العربية من أصواتٍ تشق الصمت وتقاوم القمع بالكلمة والقصيدة والريشة.
وإذا كانت المقاومة السياسية تُواجَه بالرصاص، فإن المقاومة الثقافية كانت دائمًا تُواجَه بالتجاهل، والمحاربة، والطمس…
ومع ذلك، لم تنطفئ.
محمد الماغوط كتب احتجاجًا بحجم وطن، بلا خوف ولا التواء. كان صوته عريانًا من المجاملة، يضع الشعوب أمام مراياها، والأنظمة أمام حقيقتها العارية.
أحمد مطر، بشعره الغاضب، حوّل الشعر إلى محكمة مفتوحة، يحاكَم فيها الحاكم ويُسأل الشعب: لماذا صمتنا؟
أما ناجي العلي، فقد منح الريشة وظيفة المقاومة، رسم “حنظلة” ليكون شاهدًا أبديًا على كل انكساراتنا، رمزًا لطفلٍ أدار ظهره لنا كي لا يرى المزيد من الهزائم، وكي يرى الحقيقة وحدها.
لكن هؤلاء لم يكونوا وحدهم.
فخلفهم آلاف المفكرين، والكتّاب، والمثقفين العرب…
منهم من مات قهرًا وهو يحاول بناء وعيٍ عربي لا يُستباح،
ومنهم من اغتيل، أو استُشهد لأن كلمته كانت أخطر من الرصاص.
وإلى جانب هؤلاء…
هناك أصوات لم تُغتل بالرصاص، بل بالكتمان والتجاهل والمنفى:
محمود درويش، سميح القاسم، عبد الرحمن منيف، الطاهر وطار، نجيب محفوظ، عبد الله حداد، فرج فودة و إدوارد سعيد…
وغيرهم ممن نقشوا أفكارهم في وجدان الأمة،
وأصرّوا أن تبقى الذاكرة العربية حيّة، مهما تغيرت الأنظمة أو تبدلت الخرائط.
وما زال اليوم آلاف آخرون يكتبون، ينقشون، يحفرون في صخر الوعي…
لكن هؤلاء لم يقاوموا ظلمًا واحدًا فقط…
لقد قاوموا الاحتلال… والفساد… والقهر… والاستبداد، أدركوا أن الطغيان الداخلي ليس مجرد مشكلة سياسية، بل حاجزٌ يمنع الشعوب من مواجهة الأخطر:
المشاريع الكبرى التي تستهدف الأمة، وعلى رأسها الهيمنة الأمريكية والصهيونية التي تعمل منذ عقود على إضعاف الوعي العربي، وتفكيك قدرته على النهوض.
لقد كتبوا بوعيٍ كامل أن الاحتلال لا يعيش إلا في ظلّ استبداد محلي، وأن الاستبداد لا يقوى إلا إذا غيّب الوعي، وأن الوعي لا يموت… لكنه يتأخر.
ومع كل هذا الصراخ لم يتغيّر الواقع كما حلموا.
ما زالت الشعوب تعيد المشهد نفسه كل عقد:
أنظمة تضيّق على الكلمة، فساد يفتك بالثروات، واحتلال خارجي يجد لنفسه مكانًا بسبب هشاشة الداخل.
وكأننا نكرر الأخطاء كل عشر سنوات بنسخة جديدة، دون أن نتعلّم …
إذن…
هل كان صراخهم عبثًا؟
أبدًا.
فالكتابة في أدب المقاومة ليست مشروعًا لتغييرٍ فوري، بل مشروع تراكم وعي.
إنهم لم يكتبوا ليغيّروا يومهم، بل ليبنوا غدًا لا يستطيع أحد أن يزوّر ذاكرته.
كلماتهم تحولت إلى مخازن وعي، تحفظ الجذوة، وتمنع الموت الثقافي، وتذكّر الأمة بأن الخطر الخارجي لا يُقاوم من شعوب مثقلة بالظلم الداخلي.
ربما لم يتغير الحاضر كما تمنّوا…
لكنهم تركوا ما هو أهم:
وعيًا حيًا… يتنفس… ويتراكم… ويتهيأ للحظة الانفجار الكبرى
لحظة تدرك فيها الأمة أن تحررها من الداخل هو أول خطوة لتحررها من الخارج.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .