4:19 صباحًا / 19 يونيو، 2024
آخر الاخبار

حجارة كنعان تحطم أوهام إسرائيل ، بقلم : د. وليد الشوملي

حجارة كنعان تحطم أوهام إسرائيل ، بقلم : د. وليد الشوملي

حجارة كنعان تحطم أوهام إسرائيل ، بقلم : د. وليد الشوملي

في مقدمة مقاله بعنوان “وانتصرت مجدّو الكنعانية على اليهودية وحلفائها” يكتب الصديق الباحث أحمد أشقر ما يلي:”شكَّل حقل الحفريات والأبحاث الآثارية، ولا يزال، سلاحا سياسيا- معرفيا- وإيمانيا بأيدي المجموعات اليهودية- الصهيونية والمسيحيّة التي ساندتها منذ القرن التاسع عشر إلى يومنا الراهن من أجل شرعنة الغزو الصهيوني وتثبيت الكيان الصهيوني على أرض فلسطين العربيّة. هدفت هذه الأبحاث والدراسات إيجاد واقع ماديّ في فلسطين، يحاكي النصّ الأسطوري الإيماني للتناخ، كتاب اليهود المقدس. لذا بذلت الحركة الصهيونية وحلفاؤها من جمعيات مسيحية مختلفة ومن بعدها الكيان الصهيوني ومراكز أبحاثه في حقلي الآثار والتاريخ جهودا كبيرة من أجل التأكيد على هذه المحاكاة. لكن صوت حجارة وفخّار فلسطين والذهب الذي كان يزيّن جياد وصدور وأيادي الكنعانيات، بدأ يعلو أكثر فأكثر منذ سبعينيات القرن الماضي ليصبح الصوت الوحيد الناطق باسم أرض فلسطين الكنعانية- العربيّة وأهلها” (انتهى الاقتباس).


وعليه يمكن القول أن الصراع العربي – الإسرائيلي (في فلسطين والإقليم الممتد من الهلال الخصيب وبلاد الشام ومصر) هو أكثر الصراعات الشائكة وأطولها– ليس في التاريخ الحديث كما يتردد فحسب ، بل في التاريخ المُدوّن لهذه البلاد المتواصل منذ أكثر من 30 قرن إلى زمننا الحالي ما بين التاريخ كحقائق من جهة – والأساطير من جهة أخرى . وحيث أن الصراع بين الجانبين غير متكافيء إلى حد كبير، قامت دولة إسرائيل التي تستند على فائض العنف حتى الطوفان الأخير بتجريد الفلسطينيين من تاريخهم وطموحاتهم الطبيعيّة في الحريّة والتطوّر.


وبمرور الزمن، أدرك الفلسطينيون الذين تعرضوا للإضطهاد والإحتلال والتهجير منذ بداية المشروع الصهيوني أن سعيهم إلى إقامة دولتهم والاستقلال والتنمية يعتمد بالإضافة إلى نضالهم الدؤوب على استعادة تاريخهم الكنعاني العربي ونشر وتعزيز وعيهم الذي حاولت الرواية الصهيونية تشويهه واستملاكه.


وبعيدا عن المصالح الأيديولوجية، فقد ساهمت المصالح الإستراتيجية والجيوسياسية في تشكيل الدعم الغربي لإسرائيل إلى حد كبير. ورغم انتهاء الحرب الباردة ، فإن مصلحة الغرب ما زالت تكمن في دعم إسرائيل من أجل تأمين مصادرالطاقة ، والحفاظ على الهيمنة في المنطقة ، ومكافحة ” الإرهاب” على حد زعمهم. وكنا قد شاهدنا ذلك الدعم المسعور لها في أعقاب السابع من أكتوبر من العام الماضي. وفي الولايات المتحدة الأمريكية ، يتم تعزيز الدعم السياسي لإسرائيل من قبل الحزبين الجمهوري والديمقراطي من خلال جماعات الضغط المؤيدة لها والمسيحيين الصهاينة، بالإضافة إلى المساهمات المالية من الجاليات اليهودية في أوروبا وأمريكا. ويجب أن لا نغفل التاريخ المشترك للولايات المتحدة وإسرائيل في كيفية إنشاء كل منهما.


أما بخصوص الرواية الفلسطينية، فقد أصبحت مهيمنة في جميع أنحاء العالم إثر الحرب الوحشية والإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر من العام الماضي. وقد شكل انتشار تلك الرواية علامة فارقة في تاريخ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وفي تاريخ البشرية ككل. وعليه يمكن القول أن البطولة التي اجترحها الفلسطيني في الطوفان قامت بهدم كل هذا الوهم. فلقد أصبح العالم أكثر ميلا لتفهم الرواية الفلسطينية ليس فقط من باب التعاطف الإنساني ، بل أيضا من باب الإعجاب الكبير بالصمود الفلسطيني. وقد أثبتت تلك التحولات أن قوس التاريخ بدأ ينحني نحو إنصاف الشعب الفلسطيني، وأكدت لشاعرنا الكبير نزار قباني أن مدرس التاريخ لم يمت بل بعث من جديد ليؤدي رسالته على أكمل وجه. إن التحول الكبير الذي حدث في الغرب هو أن الشباب لم يعودوا أسرى قبضة الإعلام الرسمية، وأن فزاعة اللاسامية لم تعد تنطلي على أحد. وأن قناع الديمقراطية وحقوق الإنسان قد تحطم على صخرة الواقع في غزة.

لقد بدأ الوعي بأهمية التاريخ العربي في فلسطين في التبلور في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حين سعت الحركة الصهيونية إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين العربيّة. وينظر الفلسطينيون إلى وعد بلفور الذي صدر عام 1917 والذي وعد الحركة الصهيونية بتحقيق ذلك الحلم لهم، ومن قبله مؤتمر كامبل بنرمان عام 1907 على أنهما بداية لتجريدهم من تاريخهم وسائر ممتلكاتهم، وكذلك بداية لتحول الصهيونية من حركة أيديولوجية إلى مشروع سياسي مدمر. وعليه يتوجب تحميل ما حصل من دمار على أمتنا وبلادنا على الدعم الغربي والمسيحي الصهيوني الذي سبق الصهيونية اليهودية وأسس لها، والذي لولاه لما قامت دولة إسرائيل، لأن تلك الدولة نشأت من مزيج ماكر من الأساطير والهوس الديني، ودعم رأس المال الغربي والفكر الإستعماري. لقد قامت الصهيونية بإسقاط الأساطير السماوية على الأرض لتضفي شرعية دولة إسرائيل التي تسعى لتحويل الصراع من صراع قومي إلى ديني ليصبح صراع بين الأنبياء في السماء أي بين الوعود السماوية ومكافئات الآخرة.


وبعد؛
يمكن القول إن كتاب “طريق الوهم” لصديقنا الدكتور عيسى فريد مصلح، الذي نحتفي به اليوم، هو محاولة أخرى جادة تضاف للمكتبة العالميّة، لتحطيم هذا الوهم والذي تشرفت بكتابة التوطئة له. يأخذنا الكتاب في رحلة من التاريخ العربي الفلسطيني بهدف استعادة تاريخنا وتثبيت الرواية الفلسطينية وإبراز الهوية الكنعانية الأصيلة لفلسطين وهزيمة الأساطير أيّا كانت التي أسقطت عليها. وفي هذا الكتاب يستخدم المؤلف ببراعة المنهج المتعدد (في السياسة والدين والتاريخ وعلم الإجتماع وعلم النفس). كما أنه يضفي بعداً فلسفيا على حجته من خلال مناقشة أفكار فلاسفة عظام مثل الفيلسوف الإغريقي أرسطو والفيلسوف الألماني النقدي إيمانويل كانط.


يسعى صديقنا الدكتور عيسى في كتابه على تحقيق مجموعة من الأهداف: أولها- دحض الرواية الإسرائيلية المبنية على الأساطير كما أسلفنا، وإبراز التاريخ العربي الفلسطيني الذي طالما تم تجاهله وتقويضه. وثانيها- التأكيد على كنعانية وعروبة الأرض، وأن يهود اليوم أيّاً كانوا والذين قدموا إلى فلسطين كمستعمرين لا حقّ لهم في وطننا. وقد أكد على تلك الحقيقة آرثر كوستلر في كتابه بعنوان” القبيلة الثالثة عشر”. كما أن علماء الآثار الإسرائيليون أنفسهم وعلى رأسهم كل من يسرائيل فنلكشطاين وزئيف هرتسوغ اعترفا أنهما لم يجدا في مجدّو بعد سبعين عاماً من التنقيب إلاّ آثاراً كنعانية (كما شرحها صديقنا أحمد أشقر في مقاله المذكور في بداية هذه المداخلة). أما ثالث هذه الأهداف فهوالتأكيد على أنه ليست الصهيونية أيديولوجية شوفينية وعنصرية فحسب، بل تشكل وصمة عار لكل من يعتنقها. ورابع هذه الأهداف هو التأكيد على أن الإسرائيليين الذين يشاهدون القتل الجماعي للفلسطينيين بكل ارتياح ورضا عن النفس غير سويين ويعيشون حالة من المرض النفسي. والهدف الخامس والأخير من هذا الكتاب هو فضح جهل الإسرائيليين بنفسية الفلسطيني ودرجة وعيه بتراثه وتمسكه بجذوره الممتدة لآلاف السنين وتشبثه بالأرض، وأن المراهنة على موت الكبار ونسيان الصغار أثبتت فشلها تماما، انطلاقا من إيمان الفلسطيني بعدالة قضيته مهما طال الزمن. وأن الفلسطيني لن يكرر الخطأ الذي ارتكبه في النكبة بالهروب أو الهجرة، بل يفضل الموت على ترك الوطن. وهذا ما يتجلى في البيانات الديمغرافية التي تظهر أن الفلسطينيين يشكلون ما يقارب من نصف سكان فلسطين التاريخية كنتيجة لصمودهم على أرضهم.


في اعتقادي أن الدكتور عيسى قد حقق هذه الأهداف بامتياز، إذ يجب قراءة هذا الكتاب عبر قراءة مادية للتاريخ بعيداً عن الأساطير السماوية، وبعقلية موضوعية. ولا يمكن إعطاء هذا الكتاب عنواناً أفضل، فالعالم كله كان قد خدع من قبل بالسردية الصهيونية التي لا تزال تتشبث بجدار الساحة الدولية الآيلة للسقوط.


أهنأ الدكتور عيسى على هذا الكتاب الذي يعتبر إضافةً نوعية للمكتبات العالمية. كما أوصي بترجمته إلى اللغة العربية ليتسنى للمواطن العربي قراءته.


وأخيراً أود أن أستشهد بمقولة مشهورة قالها الفيلسوف الفرنسي ديكارت حيث قال: ” أنا أفكر، إذن أنا موجود”. وأنا كفلسطيني بكل فخر أقول: ” أنا أقاوم، إذن أنا موجود”. وشكرا لكم.

ألقيت في ندوة عن الكتاب في مسرح النادي الأرثوذكسي الثقافي العربي- بيت ساحور- يوم الجمعة 7 حزيران 2024.

شاهد أيضاً

الاحتلال يغلق مدخلي قرية مردا شمال شرق سلفيت

شفا – أغلقت قوات الاحتلال الاسرائيلي، مساء اليوم الثلاثاء، المدخلين الرئيسيين لقرية مردا شمال شرق …