9:37 مساءً / 2 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

الهروب إلى الجهات الأربع ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم

الهروب إلى الجهات الأربع ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم

محاصرٌ هو من كل الجهات… من هموم الحياة ومشاكلها التي لا تنتهي… من ذكرياته المؤلمة… من أفكار سوداوية عن المستقبل ينتظرها… من غدر وخيانة في سنوات عمره، تدفعه إلى الانتقام، مشعلًا نارًا تتأجج في صدره…

محاصرٌ من أخبار الدماء التي تُراق ليل نهار، وكأن الإنسانية أصبحت بلا رحمة ولا مبادئ تُذكر… كأنه قانون الغاب؛ القوي يفترس الضعيف، وكلٌّ «إيده له»…

إلى أين يذهب؟

هو دائم البحث عن المدينة الفاضلة التي لا وجود لها إلا على أوراق كاتب مثالي حالم، خطّها بحروف معدودة قليلة. وهو يرتشف فنجان قهوة مُرّة، ويدخّن سيجارة ببطء، مع ضوء خافت في غرفة له فيها مكتب صغير، ولعلّه يستمع إلى أغنية من هنا وهناك.

الكل يريد أن يرتاح، وأن تنتهي مشاكله وآلامه…

الشيخ الكبير الطاعن في السن…
الزوجة المغلوب على أمرها…
الطفل الصغير…
العاشق الولهان…
الطبيب الذي يقضي الساعات الطوال في غرفة العمليات تحت ضغط رهيب…
الجندي المرابط في خندقه، يحرس حدود وطنه، ويترصد أعداءه…
ومن يفتح عينيه جيدًا لمراقبة تجار المخدرات والمعتدين…
والمريض الذي ينتظر الشفاء…
والمديون الذي حُجزت أمواله بقرار قضائي بسبب شكوى قدمها البنك الذي استدان منه…

الكل يبحث عن طوق النجاة والراحة…

الكل متعب…
والكل مرهق…
ولا أحد يشعر مع الآخر…

الكل في سفينة ممزقة أشرعتها؛ الكل يرقّع فتوق أشرعته، وإلا فالغرق هو المحتوم.

ولكن، ما الذي سيأتي بعد ذلك؟ وما الحلول التي سيبحث عنها كل واحد من هؤلاء؟

بالنتيجة الطبيعية، ستختلف القرارات التي يتم اتخاذها بسبب اختلاف العقول التي أعطانا إياها الله رب العالمين؛ وبالتالي ستكون هناك اختلافات في التفكير، واختلافات في صنع القرار، واعتماد الرأي في التصرف والتحرك.

وهنا تظهر أعظم نعمة أودعها الله في الإنسان: العقل.

هذا العقل الذي وهبه الله لخلقه هو الطبقة الراقية عند الإنسان؛ الطبقة التي هي أمانة في عنقه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وهذه النعمة العظيمة التي لا تُقدّر بثمن يجب ألّا تتوقف لحظة عن التفكير فيما يصلح حاله، ويجلب له الخير، هو وأهله وأمته.

هذه النعمة التي يجب أن يشكرها الإنسان، ولا يكفر بها، ويحترمها ولا يهملها، ويستعملها ولا يتركها…

فهذا العقل البشري العظيم هو الذي سخّره الله تعالى للبشر دون غيرهم من المخلوقات؛ وبه حُلّت المشكلات المعقدة، وصُنعت المباني الشاهقة، والأبراج العالية، والطرق والجسور، والعقاقير الطبية لمكافحة الأمراض، والصواريخ، والأقمار الصناعية، ووسائل المواصلات، ونُظمت الأغذية المصنّعة بما يحفظها من الفساد لسنوات طوال، وحُلّت به كثير من الجرائم المعقدة والغامضة.

وأكبر شيء توصل إليه الإنسان بعقله هو معرفة خالقه، تبارك وتعالى.

فالحمد لله الذي دلّنا عليه وهدانا إليه.

ولكن قيمة العقل لا تكون فيما يملكه الإنسان من معرفة فحسب، وإنما في كيفية توجيه هذه المعرفة وتسخيرها فيما ينفع الإنسان وأهله وأمته.

وعند ذكر العقل، وهذه الهبة الربانية العظيمة، لا بد لي أن أتذكر العقل الفذ والفكر، وخبير التنمية البشرية، الدكتور العربي المصري إبراهيم الفقي، رحمه الله تعالى؛ ذلك الذي جعل من فكره وعلمه مشروعًا لخدمة الإنسان، وترك وراءه مئات الكتب والتسجيلات المرئية (الفيديوهات) على الشبكة العنكبوتية، والتي ما كانت مبنية إلا على علم غزير وفهم دقيق لتركيبة الإنسان وتصرفاته.

هذه القامة الكبيرة من أصحاب العقول الفذة أحبها شباب العرب، وآمنوا بمشروعه التنموي النهضوي للارتقاء بالأمة إلى أعلى العلياء.

ولذلك، لا يسعنا إلا أن نقول:

رحمك الله يا دكتور إبراهيم، وأخلف الله الأمة خيرًا منك.

فالأمة، كما يقال، ولّادة وتُنجب…

وهذا ما يجعل الإنسان في فسحة واسعة من الأمل.

فما دام في الإنسان عقل يفكر، وقلب يأمل، وإرادة تبحث عن طريق النجاة، فليس كل ما حوله محتومًا إلى النهاية التي يخشاها.

فلتحيا هذه الأمة العظيمة.

شاهد أيضاً

أكاديميّة الوهرانيّ للدّراسات العلميّة والتّفاعل الثّقافيّ تُنظم فعالية شهر الترجمة في الجزائر، احتفاء باليوم العالمي للترجمة في طبعتها الثالثة

أكاديميّة الوهرانيّ للدّراسات العلميّة والتّفاعل الثّقافيّ تُنظم فعالية شهر الترجمة في الجزائر، احتفاء باليوم العالمي للترجمة في طبعتها الثالثة

شفا – نظمت أكاديميّة الوهرانيّ للدّراسات العلميّة والتّفاعل الثّقافيّ بوهران الجزائر برياسة الأستاذة الدكتورة سعاد …