
الواقع يفضح ازدواجية المعايير ويعيد رسم موازين العلاقات الدولية ، بقلم : صبحة بغورة
أفرزت التحولات الراهنة واقعًا بالغ التعقيد أخذ بالعلاقات الدولية إلى منعطف مفصلي أين رسمت في إطار تترفع به عما يرفع من شعارات أو يعلن من مبادئ، وأصبحت محكومةً بميزانٍ أكثر صرامة، ترجِّح كفّته حقائقُ الواقع على حساب الخطابات المنمّقة، وتكشف فيه الوقائع الميدانية حقيقة المواقف بعيدًا عن الأقنعة الدبلوماسية. فمع توالي الاضطرابات الجيوسياسية، وتصاعد النزاعات الإقليمية، وتشابك المصالح الاستراتيجية، انحسر بريق كثير من الادعاءات التي طالما تغنّت بها بعض القوى الدولية، لتتكشّف أمام المجتمع الدولي فجوةٌ عميقة بين الخطاب والممارسة، وبين المبادئ المعلنة والسياسات المنتهجة.
لقد أثبتت الأحداث المتلاحقة أن العلاقات بين الدول ليست فضاءً مثاليًا تحكمه الاعتبارات الأخلاقية وحدها، وإنما منظومة معقدة تتداخل فيها اعتبارات الأمن، والاقتصاد، والنفوذ، والتوازنات الاستراتيجية. غير أن هذا التعقيد لم يعد قادرًا على حجب الحقيقة كما كان في السابق، إذ باتت الوقائع الميدانية، وما تتيحه وسائل الاتصال الحديثة من سرعة تداول المعلومات، مرآةً تعكس المشهد الدولي بكل تناقضاته، فتسقط الأقنعة، وتُختبر مصداقية المواقف، وتظهر حقيقة الالتزام بالمبادئ التي كثيرًا ما رُفعت شعارًا في المحافل الدولية.
وفي خضم هذه التحولات، برزت ازدواجية المعايير بوصفها إحدى أكثر الظواهر التي أثارت تساؤلات الرأي العام العالمي. فقد كشفت العديد من الأزمات أن بعض الدول تتعامل مع القضايا الدولية بمنطق الانتقائية، فتستنكر انتهاكات في موضع، بينما تتغاضى عن انتهاكات مماثلة في مواضع أخرى، تبعًا لحسابات المصالح السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية. ومن هنا، لم يعد الخطاب الدبلوماسي وحده قادرًا على إقناع الشعوب، لأن الواقع الملموس أصبح أكثر بلاغةً من التصريحات، وأكثر تأثيرًا من البيانات الرسمية.
إن صدق حقائق الواقع يمتلك قدرة استثنائية على إعادة تشكيل الوعي الجمعي، إذ لا يمكن للأحداث أن تُزوَّر إلى ما لا نهاية، ولا للوقائع أن تُخفى مهما أُحيطت بسياجٍ من التبريرات. فالتاريخ الدولي زاخرٌ بمحطاتٍ أثبتت أن الزمن كفيلٌ بإظهار الحقيقة، وأن المواقف التي تُبنى على المصالح الضيقة قد تحقق مكاسب آنية، لكنها كثيرًا ما تُفضي إلى خسارة المصداقية على المدى البعيد. ومن ثم، فإن الشرعية الحقيقية للدول لا تُستمد من قوة نفوذها فحسب، بل من اتساق سياساتها مع المبادئ التي تعلن الدفاع عنها، ومن قدرتها على تطبيق معايير موحدة بعيدًا عن الانتقائية أو التمييز.
كما أسهمت التحولات الإعلامية والتقنية في تقليص المسافة بين الحدث والمتلقي، فأصبح الرأي العام العالمي أكثر قدرةً على المقارنة والتحليل وكشف التناقضات. ولم يعد احتكار الرواية ممكنًا كما كان في العقود الماضية، إذ باتت الصورة، والشهادة، والوثيقة، والتحليل المستقل، أدواتٍ فاعلة في إعادة تشكيل الإدراك الدولي، الأمر الذي فرض على الحكومات والمؤسسات الدولية مستوىً غير مسبوق من المساءلة الأخلاقية والسياسية.
وفي المقابل، فإن هذا المشهد المضطرب ألقى على عاتق المنظمات الدولية مسؤوليةً مضاعفة لإعادة ترسيخ الثقة في منظومة القانون الدولي، وتعزيز مبادئ العدالة والحياد، بعيدًا عن تأثيرات الاستقطاب السياسي. فكلما اتسعت الهوة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي، تراجعت الثقة في المؤسسات الدولية، وازدادت الشكوك حول قدرتها على حماية السلم والأمن الدوليين بصورة متوازنة ومنصفة.
ولا يقتصر أثر هذه الاضطرابات على الحكومات وحدها، بل يمتد إلى الشعوب التي أصبحت أكثر وعيًا بطبيعة العلاقات الدولية، وأكثر إدراكًا لكون المصالح لا ينبغي أن تكون مبررًا لتجاوز القيم الإنسانية أو الالتفاف على قواعد القانون الدولي. ومن هنا، فإن مصداقية أي موقف سياسي أصبحت مرهونةً بمدى انسجامه مع الواقع، لا ببلاغة صياغته، وبما يترتب عليه من نتائج عملية، لا بما يحمله من عبارات رنانة.
إن العالم اليوم يقف أمام مرحلةٍ مفصلية تُعيد تعريف مفاهيم القوة والنفوذ والمكانة الدولية. فلم تعد الهيبة تُبنى على التفوق العسكري أو الاقتصادي وحده، بل أصبحت ترتبط كذلك بالرصيد الأخلاقي، وبقدرة الدولة على الالتزام بمبادئ العدالة، واحترام السيادة، وصون الحقوق، والوفاء بالتعهدات الدولية. فالمكانة التي تُشيَّد على المصداقية أكثر رسوخًا من تلك التي تُبنى على المصالح العابرة، والثقة التي تكتسبها الدول عبر اتساق مواقفها تبقى أصلب من أي نفوذٍ مؤقت.
إن الاضطرابات التي تشهدها العلاقات الدولية تمثل في صميمها اختبارًا حقيقيًا لمصدقية النظام الدولي ومبادئه. وقد أثبتت هذه المرحلة أن الواقع يمتلك من القوة ما يجعله كفيلًا بفضح زيف المواقف، وإظهار حقيقة الالتزام بالقيم التي تتغنى بها الدول. فالوقائع لا تعرف المجاملة، والتاريخ لا يحتفظ إلا بالمواقف التي انسجمت مع مبادئها، أما الخطابات التي خالفتها الممارسة، فإنها سرعان ما تتهاوى أمام سلطان الحقيقة، لتبقى المصداقية وحدها العملة الأكثر قيمةً في ميزان العلاقات الدولية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.