
شفا – حوار:عطا درغام
المحور الأول: سيكولوجية الكتابة وبداية الشغف
- السؤال الأول: ولدت ونشأت في مدينة “سرت” العريقة، كيف انعكست جغرافية المدينة، بهدوئها وتاريخها، على تشكيل وجدانك الأدبي الأول؟
ج: سرت صحراء تفرش بياضها أفقاً لا ينتهي، وبحر يشهد على تعاقب العصور؛ هناك حيث يختبئ الصمت بين الكثبان وتتحدث الأمواج، تعلمت أن الحرف الحقيقي ولد ليكون عارياً من الزيف، مأخوذاً بهدوء المكان الذي لا يغفر الثرثرة. - السؤال الثاني: تكتب القصة، الرواية، المقال الساخر، والشعر؛ في أي من هذه الفضاءات يجد حسين درمشاكي نفسه متخففاً من أعباء الواقع أكثر من غيره؟
ج: في القصة القصيرة جداً؛ إنها النافذة الضيقة التي أطل بها على هاوية العالم، متخففاً من ثقل التفاصيل، ومكتفياً بشرارة البرق لإنارة عتمة الواقع بلا صخب.
- السؤال الثالث: انضمامك مبكراً لاتحادات أدبية رقمية كـ “اتحاد كتاب الإنترنت العرب”، هل كان استشرافاً منك لمستقبل القراءة الرقمية، وكيف أثر ذلك على انتشار نصك عربياً؟
ج: لم يكن استشرافاً بقدر ما كان تمرداً على جغرافية العزلة والأسوار؛ فالشاشات منحت النص جناحين، الفضاءات الرقمية كسرت حدود الرمل، ليعانق الحرف قلوباً عربية لم تكن لتصلها لولا رفق السحاب الرقمي. - السؤال الرابع: في بداياتك، من هم الآباء الروحيون في الأدب (ليبيّاً وعربيّاً) الذين أسسوا لذائقتك القصصية وجعلوك تنحاز لبلاغة الإيجاز؟
ج: هم أولئك الذين أدركوا أن أثقل الكلام ما خف ميزانه؛ استلهمت ذائقتي من رواد القصة القصيرة في ليبيا أمثال وهبي البوري، علي مصطفى المصراتي، خليفة حسين مصطفى، ومحمد علي الشويهدي، ومن عمالقة السرد العربي كـ زكريا تامر ويوسف إدريس، الذين تعلمت منهم أن أوجع الحكايات ما كُتب بحبر الصمت والتكثيف.
- السؤال الخامس: هل تذكر اللحظة الفارقة أو الموقف الإنساني الذي جعل القلم يتحول في يدك من هواية وتعبير عابر إلى التزام ومسؤولية أدبية؟
ج: حين رأيت دمعةً صامتةً في عين طفل أخرسه الخوف وسط ركام المدينة، أدركـت أن الكتابة لم تعد ترفاً، بل وطناً أخيراً لمن لا وطن له، ومسؤولية لا تسقط بالتقادم.
المحور الثاني: بلاغة التكثيف وفلسفة القصة القصيرة جداً
- السؤال السادس: تُعرف في المشهد الليبي بأنك أحد أبرز ممارسي “القصة القصيرة جداً” (الومضة والشذرة)، ما الذي يغريك في هذا الجنس الأدبي الصعب الذي يشبه السير على حبل مشدود؟
ج: يغريني فيها انتصارها للقلب على حساب الثرثرة؛ إنها جراحة تجميلية للغة، تُجريها بحد السيف، حيث السقوط ممنوع، والنجاة مرهونة بكلمة واحدة لا تقبل القسمة على اثنين.
- السؤال السابع: كيف توازن في مجموعتك “خطيئة” أو “أنا وأبي” بين شروط التكثيف الشديد وبين إيصال دلالة فكرية أو إنسانية عميقة دون السقوط في الغموض؟
ج:بالتجرد والعمق؛ التكثيف ليس إغلاقاً للمعنى، هو تقطير للروح حتى تشف، بحيث يرى القارئ في قطرة الماء بحراً كاملاً دون أن يغرق في طين الإبهام.
- السؤال الثامن: يعتمد نصك القصصي القصير على “المفارقة” أو ضربة النهاية (القفلة)؛ كيف تصطاد هذه المفارقات من تفاصيل الحياة اليومية؟
ج: بعين المتربص بالدهشة؛ الحياة مليئة بالثقوب والمطبات الساخرة، وما علي سوى التقاط المفارقة العابرة على حافة رصيف، وتحويلها إلى صدمة كهربائية تستنفر وعي القارئ.
- السؤال التاسع: مجموعتك “أنا وأبي” تُرجمت إلى اللغة الفرنسية؛ كيف ترى عبور النص “القصصي الوجيز” للحدود الثقافية، وهل يحتفظ بروحانيته الأصلية بعد الترجمة؟
ج: النص الوجيز بطبيعته عالمي كالإيماءة؛ لأنه يخاطب جوهر الإنسان قبل لغته، وحين يُترجم بأمانة، فإنه يفقد جلبة الحروف ليحتفظ بوهج الجمر وعمق الروح.
- السؤال العاشر: يرى البعض أن القصة القصيرة جداً هي ابنة هذا العصر السريع، بينما يراها آخرون مجرد ترف بلاغي، كيف تدافع عن هذا الفن أمام منتقذيه؟
ج: إنها ابنة العصر لأنه عصر طلقات النيران لا الحروب الطويلة؛ ومن يراها ترفاً، يجهل أن صنع الألماس يحتاج ضغطاً هائلاً في مساحة أصغر من حبة قمح.
المحور الثالث: الرواية والمضمون الفكري والاجتماعي
- السؤال الحادي عشر: في روايتك القصيرة “غصة وجع” الصادرة في تونس، ما هي تلك “الغصة” التي أراد الكاتب توثيقها، وهل هي وجع ذاتي أم انعكاس لوجع جماعي؟
ج: إنها الغصة التي تعترض الحلق حين ينشطر الوطن؛ وجع ذاتي تضخم حتى أصبح مرآة لخراب جماعي، وتوثيقاً لنزيف روحي لا يبرأ بمرور الزمن.
- السؤال الثاني عشر: مجموعتك “المرأة التي تزوجت الجني” تحمل عنواناً لافتاً يمزج الواقع بالأسطورة أو الموروث الشعبي؛ كيف توظف “الفانتازيا” والموروث في تشريح قضايا الواقع؟
ج: الأسطورة مرآة باطنية للواقع؛ وحين يعجز الوصف المباشر عن ملامسة قبح الحقيقة، نستعين بساحر الموروث لنخلع قناع المألوف ونرى الواقع على عورته.
- السؤال الثالث عشر: في إصداراتك لعام 2025 مثل “وجوه الظل والنور” و”الربيع.. خريف آخر”، نلاحظ عناوين تقوم على الثنائيات والضد؛ ما الفلسفة التي تحكم هذه العناوين؟
ج: فلسفة التمزق الوجودي؛ نحن نعيش على حافة الأضداد، حيث لا نور بلا عتمة، ولا ربيع من دون ملامح خريف يتربص بالورود.
- السؤال الرابع عشر: هل تعتقد أن الرواية قادرة على منحك مساحة “للتنفس السردي” لا تتيحها لك الومضة القصصية، أم أنك تطبق التكثيف حتى في رواياتك؟
ج:الرواية بالنسبة لي مدينة واسعة، لكنني أدخلها بسكين الجراح؛ حتى في أرحب فضاءاتها، أرفض الحشو، وأصر على أن يرتدي السرد ثوب الإيجاز الساحر.
- السؤال الخامس عشر: المرأة، الأب، المهمشون في المجتمع.. حضورهم طاغٍ في عناوينك ومتونك؛ كيف تصيغ علاقة شخوصك الروائية بالواقع الاجتماعي المعقد؟
ج: أصوغها بانحياز مطلق للضعفاء؛ فالأب رمز الجذور، والمرأة هي الوطن المكلوم، والمهمشون هم الحقيقة الصامتة التي تدفع فاتورة صمت العالم.
المحور الرابع: المقال الساخر، السياسة، والهمّ الليبي
- السؤال السادس عشر: كتبت المقال السياسي الساخر في صحف كبرى كـ “العرب اللندنية”، إلى أي حد تصح مقولة “شر البلية ما يضحك” في مقاربتك للأزمات السياسية؟
ج: إلى الحد الذي يصبح فيه البكاء ترفاً لا يقدر عليه المفلس؛ فالضحك الساخر هنا هو آخر أسلحة الضحية لكسر هيبة الجلاد العبثي.
- السؤال السابع عشر: السخرية في مقالاتك ليست للترفيه، بل هي مبضع جراح؛ كيف تحمي قلمك الساخر من الانزلاق نحو المباشرة التقريرية أو الفجاجة؟
ج: بالعمق الفكري والمجاز الذكي؛ السخرية الراقية تنفذ إلى العظم بهدوء التخدير الموضعي، لا بصخب الصراخ الذي يوقظ النعاس بلا طائل.
- السؤال الثامن عشر: المشهد الليبي مرّ بتحولات عاصفة وصدمات كبرى؛ كيف تعايش الكاتب بداخلكم مع هذه التحولات، وكيف صهرتم “أزمة الوطن” في قالب إبداعي؟
ج: تحولت الصدمة إلى حبر، والخراب إلى مادة أولية للنص؛ فالكاتب لا يملك ترف الهروب، واجبه أن يعجن مأساة وطنه بدم قلبه ويخرجها لوحة تنطق بالوجع والجمال.
- السؤال التاسع عشر: هل ترى أن المثقف والكاتب الليبي اليوم استطاع أن يقود الوعي المجتمعي، أم أن تسارع الأحداث السياسية كان أقوى وأسرع من استجابة الأدب؟
ج: الأحداث كانت أسرع، لكن صدى الأدب أبقى وأعمق؛ المثقف كان يحاول مداواة الجرح بنزيفه الخاص، بينما آلة السياسة تعيد حفر الخنادق بلا توقف.
- السؤال العشرون: كيف ترى مستقبل السلم الاجتماعي في ليبيا من خلال نافذة الأدب والثقافة، وهل يمكن للقصة والرواية أن تكونا أداة لترميم الشروخ؟
ج: هما الأداتان الأطول عمراً؛ فالرواية تعيد إنسانية الآخر في نظرنا، والقصة ترمم الشروخ بأن تذكّر الجميع بأننا شعب واحد تقاسمه رغيف الوجع.
المحور الخامس: المشهد الأدبي الليبي وآفاق المستقبل.
- السؤال الحادي والعشرون: كيف تقيم واقع النقد الأدبي في ليبيا اليوم؟ هل ينصف النقدُ المنجزَ الإبداعي المعاصر، أم أن الإبداع الليبي يسير في وادٍ والنقد في وادٍ آخر؟
ج: للأسف، النقد يعاني غيبوبة أو تقاعساً؛ فالإبداع يركض وثّاباً، بينما النقد يتكئ على عصا المجاملات والانطباعية، ما يترك النص اليتيم يواجه مصيره وحيداً.
- السؤال الثاني والعشرون: يواجه الكاتب الليبي تحديات جمة تتعلق بالطباعة، النشر، والتوزيع والوصول للقارئ العربي؛ من واقع تجربتك، كيف يمكن التغلب على هذه العقبات؟
ج: بالقفز فوق جغرافية الداخل نحو آفاق الفضاء الرقمي وشبكات التواصل، وبناء جسور مع دور نشر عربية تؤمن أن الإبداع الليبي جمر تحت الرماد.
- السؤال الثالث والعشرون: جيل الشباب الجديد من الكتاب في ليبيا يدخل المعترك الأدبي بأدوات مغايرة (وسائل التواصل، الذكاء الاصطناعي)؛ ما هي نصيحتك أو تحذيرك لهم؟
ج: أن ترويض الابتكار لا يكون بالاستسلام لسطوة الخوارزميات؛ اجعلوا مداد أقلامكم نزيفاً صادقاً يرتوي من ماء الوجع الإنساني الخالد، ليبقى النص جَمراً لا يطفئه هطول الاستهلاك السريع.
- السؤال الرابع والعشرون: تميز عام 2025 بغزارة إنتاجك الأدبي من خلال طرح عدة مجموعات متزامنة؛ هل هذه الغزارة هي نتاج عزلة إيجابية أم تراكم إبداعي انفتقت غيومه فجأة؟
ج:هي انفجار لغيوم تراكمت طويلاً في سماء العزلة الصامتة؛ سنوات من الصمت والاحتراق الداخلي أثمرت طوفاناً لا يمكن كبح جماحه حين فتحت الأبواب.
- السؤال الخامس والعشرون: بعد هذا المشوار المتنوع بين القصة، الرواية، المقال، والترجمة؛ ما هو المشروع الأدبي الحلم الذي ما زال يراود حسين بن قرين درمشاكي ولم يكتبه بعد؟
ج: مشروعي الحلم هو كتابة ملحمة روائية كبرى تشبه سيرة الذاكرة الليبية العميقة بكل تضاريسها النفسية والاجتماعية والسياسية؛ سِفْر إنساني تتسع فيه الآلام والآمال المكبوتة، لتنجب لغة جديدة تختزل تاريخ مكان بأكمله في سطر يمتد كالزمن، وتظل شاهدة أبدية على أن الحرف كان أصدق أنباءً من السياسة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.