10:49 مساءً / 11 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

تل الزعتر خمسون عاماً وما زال الجرح ينزف ، بقلم : أحمد سليمان

تل الزعتر خمسون عاماً وما زال الجرح ينزف ، بقلم : أحمد سليمان

خمسون عاماً مرت وما زال تل الزعتر جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الفلسطينية. تغير العالم ورحل كثير من الشهود وكبر الأطفال وشاخت الوجوه لكن المخيم الذي أريد له أن يمحى من الأرض بقي حاضراً بحكايات أهله وشهدائه وناجيه.

في صيف عام 1976 عاش تل الزعتر أسابيع طويلة من الحصار والقصف والجوع والعطش. آلاف البشر وجدوا أنفسهم محاصرين يبحثون عن الماء والدواء والأمان. أمهات يحمين أطفالهن وجرحى ينتظرون علاجاً قد لا يصل وعائلات لا تعرف ماذا يحمل لها اليوم التالي.

بلغ الحصار حداً أصبح فيه الحصول على أبسط مقومات العلاج أمراً شبه مستحيل حتى إن جرحى تل الزعتر كانوا يداوون جراحهم بالماء والملح. صورة تختصر وحدها قسوة تلك الأيام وحجم ما تحمله الناس من ألم.

وفي قلب ذلك الحصار بقيت قيادات المخيم مع أبناء شعبها ولم تغادرهم في أصعب اللحظات. كان بينهم نبيل معروف والقائد العسكري أدهم ابن قلقيلية والأخ سلمان الزعتر. عاشوا مع الناس أيام الحصار وتقاسموا معهم الجوع والعطش والخوف والمصير.

ومن بين الذين عاشوا تلك الأيام داخل المخيم الأخت منى الخليلي التي أصبحت اليوم وزيرة شؤون المرأة الفلسطينية. كانت هناك بين أبناء شعبها وعاشت تجربة تل الزعتر بكل ما حملته من ألم وصمود.

وكانت هناك أيضاً الأخت حمدة العراقي التي كانت تعمل على جهاز اللاسلكي وظلت محاصرة داخل المخيم تؤدي دورها حتى خرجت مع من خرجوا في الشاحنات التي حملت الناجين والجرحى.

وخارج طوق الحصار كان هناك من يحاول إسناد المخيم بما يستطيع. ومن بينهم الأخ واصف عريقات الذي كان يتولى الإسناد المدفعي للمخيم من كيلون.

وفي الثاني عشر من آب سقط المخيم ووقعت المجزرة لكن حكاية تل الزعتر لم تسقط معه.

في ذلك اليوم كان القائد المناضل صالح زيدان آخر من خرج من تل الزعتر حاملاً معه شهادة مرحلة كاملة. وما زال حتى يومنا هذا يحدثنا هنا في السويد عن الرفاق الذين رحلوا وعن الدماء والتضحيات التي قدمت وعن رحلة فلسطينية قاسية امتدت من تل الزعتر إلى حصار الدامور إلى صبرا وشاتيلا وحرب المخيمات. وحين نستمع إليه فإننا لا نستمع إلى رواية من كتاب بل إلى رجل عاش تلك المرحلة وما زال يحمل شهادتها.

ولا ننسى الحاج حسن ورفاقه الشهداء الذين استشهدوا أثناء محاولتهم رفع الحصار عن تل الزعتر في معركة شكا شمال لبنان. أولئك الذين تحركوا باتجاه المحاصرين وهم يعرفون حجم الخطر ودفعوا حياتهم ثمناً لمحاولة كسر طوق الموت المضروب حول المخيم.

كما نستذكر حنّا ميخائيل ورفاقه وكل من رحل وهو يحمل فلسطين وقضيتها. رحم الله حنّا ميخائيل ورحم الله الحاج حسن ورفاقه ورحم الله كل الشهداء.

لم يكن تل الزعتر مجرد بيوت وأزقة ضيقة. كان مخيماً بناه لاجئون اقتلعوا من فلسطين عام 1948 وحملوا معهم أسماء قراهم ومدنهم ومفاتيح بيوتهم وحكايات حيفا وعكا وصفد والجليل. اعتقدوا أن اللجوء مؤقت وأن العودة قريبة لكن السنوات امتدت وتحولت الخيمة إلى بيت وبقي المفتاح ينتقل من جيل إلى جيل.

جاء تل الزعتر ليؤكد مرة أخرى أن النكبة يمكن أن تلاحق الفلسطيني حتى إلى منفاه وأن من فقد بيته مرة يمكن أن يجبر على فقدانه مرة أخرى.

لكن ما لم يستطع أحد مصادرته هو الذاكرة.

نحن لا نستحضر تل الزعتر بحثاً عن الكراهية أو الانتقام بل من أجل الحقيقة والعدالة. يمكن للشعوب أن تتصالح وأن تتجاوز الحروب لكن المصالحة لا تعني النسيان ولا يمكن أن تكتمل بينما تبقى أسئلة الضحايا وعائلاتهم بلا إجابات.

وحين أستعيد تلك الذاكرة تحضر أمامي صديقتي السويدية إيڤا حمد. امرأة بترت ذراعها لكن الألم لم يبتر موقفها ولم ينتزع فلسطين من قلبها. ما زالت حتى اليوم تناضل من أجل حرية الشعب الفلسطيني وما زالت تقف إلى جانب حقه في الحياة والحرية والعدالة.

إيڤا بالنسبة لي ليست مجرد صديقة سويدية متضامنة مع فلسطين. إنها واحدة من تلك الوجوه الإنسانية التي تعلمنا أن فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم وأن العدالة لا تحتاج إلى جنسية أو هوية حتى يؤمن بها الإنسان.

بترت ذراع إيڤا لكن إرادتها لم تبتر. مرت السنوات لكنها لم تقل إن فلسطين أصبحت قصة قديمة. لم تتعب من الوقوف إلى جانب شعب ما زال يبحث عن حريته. بقيت تحمل موقفها وذاكرتها وإيمانها بأن الإنسان لا يستطيع أن يكون حراً حقاً إذا قبل بحرمان إنسان آخر من حريته.

لها مني كصديق وكفلسطيني كل الوفاء والمحبة والتقدير.

وفي الذكرى الخمسين ننحني أمام أرواح شهداء تل الزعتر ونستذكر شهداء آل كروم وآل شمس وآل الدوخي وآل عبادي وآل عيادي وكل العائلات التي فقدت أبناءها وكل الشهداء دون استثناء. نستذكرهم بشراً كانت لهم أسماء ووجوه وعائلات وأحلام وليسوا مجرد أرقام في سجل الحرب.

ويبقى بعد نصف قرن سؤال لا يجوز أن يبقى بلا جواب.

عندما قدمنا الاعتذار عن الحرب الأهلية اللبنانية وتحدثنا عن المصالحة وطي صفحة الماضي ألم يكن من الأجدر أن تبدأ المصالحة بكشف الحقيقة. ألم يكن من حق عائلات شهداء تل الزعتر أن تعرف أين دفن أحباؤها. ألم يحن الوقت للكشف عن المقابر الجماعية وتحديد أماكنها والتعرف إلى رفات الضحايا حتى يكون لكل شهيد اسم وقبر تستطيع عائلته أن تزوره وتقرأ الفاتحة على روحه.

إن المطالبة بذلك ليست دعوة للانتقام ولا لإعادة فتح الحرب. إنها دعوة لإغلاق جراحها بطريقة إنسانية تحفظ كرامة الضحايا وحق عائلاتهم في معرفة الحقيقة. فالاعتذار له قيمته لكن قيمته تصبح أكبر عندما ترافقه خطوات تعيد للضحايا أسماءهم وللعائلات حقها في معرفة مصير أبنائها.

نريد أن تلتئم الجراح ونريد مصالحة تحمي مستقبل الفلسطينيين واللبنانيين لكن المصالحة الحقيقية لا تخاف من الحقيقة ولا تدفن الماضي في مقابر مجهولة.

ومع مرور خمسين عاماً تصبح مسؤوليتنا أكبر في توثيق الشهادات والاستماع إلى من بقي من الشهود. صالح زيدان ومنى الخليلي وحمدة العراقي وواصف عريقات وكل من عاش تلك المرحلة يحملون جزءاً من تاريخ لا يجوز أن يرحل معهم.

تل الزعتر ليس مجرد تاريخ مضى بل أمانة في أعناقنا.

من حق شهدائنا أن تكون لهم أسماء وقبور ومن حق عائلاتهم أن تعرف أين يرقدون ومن حق الأجيال القادمة أن تعرف ماذا حدث.

الرحمة لشهداء تل الزعتر ولكل من سقط وهو يدافع عنه أو يحاول كسر حصاره والوفاء للناجين والشهود ولكل من حمل فلسطين في قلبه.

خمسون عاماً وما زال الجرح ينزف.

  • – أحمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني

شاهد أيضاً

اسعار الذهب اليوم

اسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت اسعار الذهب اليوم الثلاثاء 11 أغسطس كالتالي : سعر أونصة الذهب عالمياً …