3:21 مساءً / 8 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

الدوافع السيكولوجية والاجتماعية وراء دوام الانقسام والصمت عليه ، بقلم: دكتور غسان عبد الله

الدوافع السيكولوجية والاجتماعية وراء دوام الانقسام والصمت عليه ، بقلم: دكتور غسان عبد الله

أمس اجتمعنا الأحفاد (معروف أن الأحفاد ينحدرون عادة من نفس أصل الاّباء والأمهات، وان اختلفوا في الجنس والأعمار والأسماء) على دعوة من ستي لتناول أكلة المسخن الفلسطينية الشعبية والتي ينشدها الكل الفلسطيني.

جلسنا في، بيت العقد الذي ورثته ستي عن جدّي، رحمه الله، البعض يلعب والبعض يتحدث مع الاّخر، وأنا أحدّق في الطبلية (طاولة قصيرة،عادة ما تكون دائرية الشكل)، وما عليها من مواد ومكونات لإعداد الوجبة الشهية المنتظرة. نظرة الى البصل الذي تم فرمه، لكنه، رغم ذلك، تجمع معا ليؤدي دوره المطلوب، ورأيت زيت الزيتون، الأصل والأساس في هذه الأكلة اللذيذة وكيف تصطف البهارات المتنوعة وكيف تصطف أرغفة الخبز فوق بعضها البعض، بكل نظام وهدوء.

حين بدأت ستي بوضع البصل وما أضافت اليه من بهارات في الزيت، تعجبت من سعة صدر الزيت الذي تلقف كل هذه المواد المختلفة والمتنوعة ليمتزجا معا وليؤدي كل منهم دوره المنتظر، مدركين جميعا أنهم سيحشرون معا في نفس الوعاء على النار الواحدة.

وأنا أرقب ما تقوم به ستي من حركات كي تجمع كل المحتويات معا، اختلست نظرة على التلفاز، واذا بمشاهد من برنامج يتحدث عن ” كيف ينهش الاستيطان أراضي بيت أمر في محافظة الخليل” والتي أعشقها لطيبة أهلها وما يمتازون به من سمات النخوة والكرم العربي الأصيل، واحترامهم للضيف بغض النظر من أين جاء، اذ سبق لنا مرة وأن ولجنا محل حلويات السلطان لنتناول الكنافة، وما تعرف علينا صاحب المحل، واذا به يصرّ على عدم أخذ ثمن الكنافة.

ونحن نلتهم المسخن، وبعد أن شاهدت ما تيسر من مسلسل الاستيطان وما يترتب عليه من مشاق السفر والتنقل اليومي للسكان، في بيت أمر، والذي يمكن تعميمه على السواد الأعظم من المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967، راودتني بل وداهمتني أسئلة عديدة: كيف لهذا البصل الذي تعرض للتقطيع باّلة حادة، ان يتجمع ثانية ليقوم بما يلقى عليه من واجب في اعداد هذه الوليمة، وكيف للزيت، الذي هو أساس هذه الأكلة الشهيّة، أن يستوعب كل المكونات معا، تاركا لكل منهم المتسع لممارسة دوره، وكيف لرغيف الخبز أن يتحمل كل ما تمت اضافته عليه، دون اقصاء وابعاد لأي منهم، بغية انجاز الهدف المنشود .

يصعب على المرء أن يستسيغ الفصل في حياته اليومية عن الواقع المزرى المعاش، جراء المسلسل المتواصل منذ أمد بعيد، ولا يزال، للأسف، ينمو حتى داخل البيت الواحد، رغم تعرض الجميع الى الفرم والوضع في اّتون النار معا !!!، مثل هذا الحال الذي نحياه اليوم والذي قد يتدهور و ينزلق بنا نحو هاوية أشد عمقا !!

ولأنني لست من أصحاب ولا مؤيدي نظرية المؤامرة، رغم عدم تبرئة المحيطين بنا من ذوي القربى أو غيرهم، من المسؤولية المباشرة عن تفاقم ونشاط دور فيروس الانقسام، الأمر الذي يوجب عليّ التركيز هنا على العوامل الذاتية لمسلسل الانقسامات المتتالية، سواء من الجانب السيكولوجي والاجتماعي أو غيرهما، ولكوني لم أعد ممن يميلون للعمل السياسي الفئوي وبحكم خلفيتي الأكاديمية، وتجاربي الحياتية، سأركّز هنا على الجانب السيكولوجي.

شهدت الحالة الفلسطينية انقسامات عديدة، منذ انطلاقة م ت ف وحتى قبل تأسيسها وللأسف، حتى اليوم. يعمد بعض أطراف الانقسامات هذه، الى تبرير ذلك عبر استخدام مصطلحات سياسية أخرى (تباين وجهات النظر، انطلاقة، خلاف داخلي….)، والأمثلة كثيرة، لا داعي الى ذكر أمثلة هنا، خشية من سوء الفهم وبالتالي الوقوع في فخ المحظور السياسي.

تبقى جميع هذه الانقسامات وليدة دوافع داخلية، سواء شخصية أم جماعية، هي المسؤولة عن القيام وتنفيذ السلوك الانقسامي المقيت، غالبا بهدف تحقيق ماّرب شخصية / جماعية لا يمكن تحقيقها بدون اتخاذ مثل ذاك السلوك الانقسامي البغيض، لما له من انعكاسات أقل ما يمكن وصفها بالوخيمة على الكل الفلسطيني، وسرعان ما يأخذ بالتظاهر بالنشاط وتجميع البعض من قبيلته، سواء صغر عددها أو كبر، وتبدأ المطالبات بمساواته مع بقية الفصائل الأساس في الأطر التمثيلية للأم الرسمية منظمة التحرير الفلسطينية، وتبدأ الجماهير بإطلاق النكات على هذه المجموعة أو تلك ويحتدم الصراع في ساحات وفرص الاستقطاب عبر وظائف ذات مسميات عديدة، بدءا من رئيس قسم، مدير عام، أمين عام اللجنة كذا أو تلك الى تعيين منهم، من فئة عظام الرقبة، في وظائف هامة كسفير/ة دون الإعلان عن مناقصات لمثل هذه المراكز الحساسة، كله بالاستناد على احدى نظريات علم النفس بخصوص ذلك والتي تعرف اما بنظرية التحفيز( drive theory )، أو نظرية التوقع ( expectancy theory )، في حين أن النظرية الأهم والتي تلعب دورا أساسيا هي نظرية التفاعل الاجتماعي – والتي تقوم بشكل كبير على درجة القرابة، المعرفة-، ولا مكان هنا للمستوى الثقافي التعليمي أو الخبرة السابقة فالدافع الأساس هو تلبية الاحتياجات والنزعات والميول، الشخصية أو تلك المرتبطة بالمجموعة أو زعيم الانقسام.
ان أي صراع سياسي ينجم عنه خصوم، سواء خصوم مع العدو أو خصوم بين أفراد نفس القبيلة، الفصيل، تنظيمات لجان، مؤسسات جماهيرية سواء كانت من نفس اللون الفصيل السياسي أو فصيل أخر. لم ولن يجد أي جهبذي، تبريرا لوجود حوالي خمس مؤسسات بأسماء مختلفة لخدمة ورعاية قطاع واحد ممن أفنوا أعمارهم وراء القضبان!! في رأي المتواضع قد يكمن السبب/ الأسباب في :- الدوافع والتي هي مكتسبة و التي تعتبر المحرك الأساس للسلوك الإنساني وتوجيه هذا السلوك للجهة التي تسهم في تحقيق أهدافه( الظاهر منها وما بطن) .

يميل ذوي النزعات الانقسامية في المجتمع السياسي الفلسطيني، الى توظيف النظريات اّنفة الذكر، أسوق هنا مثالا حين انشق فصيل سياسي، وقام بتشكيل لجنة مركزية له في الوطن ، كانت تتكون من 11 عضوا، خمسة منهم قرابة من الدرجة الأولى أو الثانية !!!

⦁ لن نغفل هنا النزعة للحفاظ على الامتيازات المادية المحسوسة أو تلك المعنوية، مبررين ذلك بتاريخه القديم في الفصيل، متناسيا أن الثورة لمن صدق وليس لمن سبق !!
ان غياب رؤية / رؤى وبصيرة جلية حول مفهوم وألية العمل الشعبي المثمر، الذي يرتكز على أساس حشد كافة الطاقات (وان كان هناك اختلاف في الرؤى، اذ يتحتم تناسي هذه الاختلافات الى حين والظهور أمام الشعب متكاتفين موحدين معا من أجل تحقيق وإنجاز الهدف السامي المنشود، بدلا من اتباع نهج الاقصاء الذي يقود الى هدر الطاقات والجهود وبالتالي ينجم عنه المزيد من خيبات الأمل والنكوص.
⦁ أيضا أرى في هيمنة شخصيات نرجسية على العمل السياسي أو الجماهيري، والتي سرعان ما تعمد الى نهجي الاقصاء والتهميش لكل من يخافها الرأي، مما يدفع بالمهمشين الى الانسحاب أو الانشقاق.

في الختام، ان الاختلاف في الرؤى و اليات تحقيق الهدف/ الأهداف المنشودة، قد يكون مردّها غياب بدائل عملية مارستها الغالبية من شعبنا واليوم باتت غائبة كليا وغير متاحة، الأمر الذي يتسبب في توليد المزيد من الشعور بالعجز ان لم يكن الفشل ، مما يدفع بمثل هذا الشخص الى الشعور بالحاجة الى إعادة موضعة ذاته كمحور أساس في بيئته المجتمعية، وهذ ما جعل من اختلافاتنا وانقساماتنا لا مثيل لها مقارنة مع تجارب شعوب وحركات سياسية عالمية أخرى، رفضت القبول بالإغراءات المادية أو المراكز والمناصب وأشكال البذخ التي نشهدها، سواء في مستوى المعيشة( سكن، وسائل نقل…)، لن أغادر البوح في هذا الجانب قبل أن أسرد عليكم ما أفصح عنه صديق ايرلندي- توفي والده خلال الاضراب الجماعي التي شهدته المعتقلات آنذاك، كشكل من أشكال النضال للتحرر وإنجاز الهدف الرئيس للجيش الايرلندي في حينه، قال لي ونحن نتجول معا في رام الله واحدى مخيماتها” هل أنت متأكد انكم تسعون الى بناء مشروعكم الوطني المشروع ،ولديكم هذه العمارات الشامخة ووسائل النقل المترفة والسلع الغذائية التي يتم شراءها من الجهة التي تحتل بلدكم!!!؟” .

⦁ يرى الكاتب في جميع الجهود من مبادرات لإنهاء الانقسام بالسفر خارج البلاد وما يترتب عليها من مصاريف في الوقت الذي فيه يتضور أهلنا في كافة المحافظات، جوعا وألما من الأمراض، ما هي الا مناورات لتسجيل هدف في ملعب الطرف الاّخر، كم سافرت الوفود خارج البلاد وعادت بخفي حنين!!، قد يكمن السبب وراء ذلك في غياب استقلالية أحد اطراف الانقسام، والتبعية التي باتت لا تخفى على أحد، نحن بحاجة الى استقلالية حقّة في اتخاذ الرأي وصنع القرار حيال قضايانا.
⦁ للأسف ،في الحالة الفلسطينية، تهيمن الفئوية الحزبية دورا فاعلا ملحوظا في بدء الانقسامات ولاحقا في اشعالها، ثم يتبجح كل طرف بالحرص على التوافق الوطني، متوسلا الى الشعب ومؤسساته وبعض الأصدقاء من الدول المجاورة للتدخل من أجل هذا الانقسام.

شاهد أيضاً

نشرة أخبار اقتصادية صينية

نشرة أخبار اقتصادية صينية

نشرة أخبار اقتصادية صينيةنقلاً عن شينخوا افتتاح خط للشحن البحري يربط مدينة شنتشن جنوبي الصين …