
خطاب الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة .. جرأة وشجاعة بامتياز ، بقلم : عمران الخطيب
جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، يوم 22 أيلول/سبتمبر 2026، مختلفًا في لهجته ورسائله، وحاملًا قدرًا واضحًا من الجرأة والشجاعة في توصيف ما تشهده المنطقة من أزمات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب التحذير من تداعيات السياسات الإسرائيلية على أمن واستقرار الإقليم.
ومنذ بداية الخطاب، قدم الملك قراءة أوسع للمشهد الدولي، مشيرًا إلى أن العالم يعيش مرحلة استثنائية تتسارع فيها الأزمات وتتعدد فيها التحديات، بحيث أصبح كل يوم يحمل أزمة أو مأساة أو حالة طوارئ جديدة تستدعي اهتمام المجتمع الدولي.
وفي إشارة لافتة إلى طبيعة العصر الذي نعيش فيه، تحدث الملك عن تراجع مدى انتباه الإنسان أمام الشاشات، مستشهدًا بدراسة تشير إلى انخفاض متوسط الانتباه من دقيقتين ونصف عام 2004 إلى 47 ثانية حاليًا. ولم يكن هذا الطرح مجرد استشهاد رقمي، بل حمل رسالة أعمق مفادها أن الانتباه أصبح موردًا نادرًا، وأن اختيار القضايا التي يمنحها العالم اهتمامه بات أكثر أهمية من أي وقت مضى.
لكن القضية الفلسطينية بقيت في صلب الخطاب، حيث انتقل الملك من توصيف المأساة الإنسانية إلى الحديث بصورة مباشرة عن جذور الصراع ومستقبل المنطقة.
وفي هذا السياق، حذر جلالته من أن استمرار التعامل مع غزة والضفة الغربية باعتبارهما ملفين منفصلين يساهم في تجاهل حقيقة ما يجري، مؤكدًا أن التطورات في الأراضي الفلسطينية تأتي ضمن مسار واحد يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
كما تناول الملك المعاناة الإنسانية في قطاع غزة، وركز على الأطفال الذين دفعوا ويدفعون الثمن الأكبر جراء الحرب، في رسالة إنسانية أراد من خلالها وضع المجتمع الدولي أمام حقيقة أن الأرقام والإحصاءات لا يمكن أن تحجب حجم المأساة التي يعيشها المدنيون. حين تحدث عن مقتل 300 طفلاً منذوا إتفاق الهدنة في شرم الشيخ..
وتوقف الخطاب كذلك عند الدور الأردني الإنساني، وما تقدمه المملكة من رعاية وعلاج للمرضى والجرحى والأطفال القادمين من غزة، في ظل استمرار الأزمة من جراء الاعتداءات الإسرائيلية بقطاع غزة..
وفي الضفة الغربية، كان خطاب الملك واضحًا في التحذير من التهجير القسري، ومن الإجراءات التي تؤدي إلى تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي، معتبرًا أن مثل هذه السياسات تقوض فرص السلام وتدفع المنطقة نحو مزيد من الصراع. وقد وصف الملك التهجير القسري للفلسطينيين في الضفة الغربية بأنه جريمة حرب.
أما القدس، فحضرت في الخطاب باعتبارها جوهرًا أساسيًا في القضية الفلسطينية، مع تأكيد الموقف الأردني الثابت تجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية والدور الهاشمي في رعايتها وحمايتها.
ولم يكتفِ الملك بتناول الأراضي الفلسطينية، بل وسّع دائرة التحذير لتشمل الإقليم بأكمله، متحدثًا عن الأطماع التوسعية للحكومة الإسرائيلية، ومعتبرًا أنها باتت تشكل تهديدًا إقليميًا، ومحذرًا من التوغلات والتوسع الجغرافي في الأراضي السورية.
وهنا تبرز إحدى أهم رسائل الخطاب: أن ما يجري لم يعد قضية محصورة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن المنطقة واستقرار دولها، وفي مقدمتها الأردن وسوريا.
كما حمل خطابه رسالة واضحة بشأن أمن الأردن الوطني، خصوصًا في ما يتعلق بحدوده الشمالية وأمنه المائي، مؤكدًا أن الأردن لن يتعامل مع أي تهديد يمس أمنه باعتباره شأنًا عابرًا.
وفي واحدة من أكثر الرسائل السياسية وضوحًا، انتقد الملك حالة العجز الدولي تجاه “إسرائيل” مشيرًا إلى أن المجتمع الدولي يمتلك أدوات يمكن استخدامها، من بينها العقوبات و عدم تحويل القرارات الدولية إلى إجراءات فاعلة.
وهنا تتضح فلسفة الخطاب الملكي: المشكلة ليست في غياب الأدوات وإنما في غياب الإرادة السياسية لاستخدامها.
فالملك لم يقدم خطابًا إنشائيًا أو عاطفيًا، وإنما وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، وربط بين استمرار تجاهل القضية الفلسطينية وبين اتساع دائرة عدم الاستقرار في المنطقة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة خطاب الملك عبدالله الثاني بوصفه مرافعة سياسية وإنسانية وقانونية أمام المجتمع الدولي، تجمع بين الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، والتحذير من مخاطر التوسع الإقليمي، والتأكيد على ثوابت الأردن المتعلقة بالقدس والمقدسات وأمن المملكة.
عمران الخطيب
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.