
درس الصين ، بقلم : محمد علوش
ليست الصين اليوم مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل هي تجربة حضارية وسياسية وإنسانية تستحق التأمل، لأنها نجحت في تحويل الأفكار إلى سياسات، والسياسات إلى إنجازات ملموسة غيَّرت حياة مئات الملايين من البشر. ومن هنا، فإن زيارتي الحالية إلى جمهورية الصين الشعبية على رأس وفد يضم قادة وممثلي عدد من الأحزاب اليسارية في البلدان العربية، بدعوة من دائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، لم تكن مجرد محطة في برنامج سياسي، بل رحلة معرفية أتاحت لنا الاقتراب من تجربة تثبت أن الإرادة والتنظيم والتخطيط العلمي قادرة على صناعة التحولات الكبرى.
لقد شكَّلت اللقاءات والحوارات المعمقة مع قيادة دائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني فرصة ثمينة لتبادل الرؤى بشأن التحولات الدولية، ومستقبل النظام العالمي، وآفاق التعاون بين القوى التقدمية، ودور الحوار بين الحضارات في بناء عالم أكثر توازنًا وعدالة.
وكان لافتًا أن التنمية في الرؤية الصينية ليست هدفًا اقتصاديًّا مجردًا، بل مشروع وطنيٌّ شامل، يربط بين الازدهار الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والاستقرار السياسي، وصون السيادة الوطنية.
وفي مدينة ينتشوان، جاءت مشاركتنا في الندوة الدولية حول أفكار الرئيس شي جين بينغ بشأن مكافحة الفقر لتفتح آفاقًا جديدة للتفكير في جوهر التجربة الصينية، فقد برهنت الاشتراكية ذات الخصائص الصينية أن التنمية الحقيقية تبدأ بالإنسان، وأن القضاء على الفقر ليس برنامجًا اجتماعيًّا مؤقتًا، بل خيار استراتيجي يتطلب قيادة تمتلك الرؤية، ودولة قادرة على التخطيط، ومؤسسات تتابع التنفيذ، ومجتمعًا يشارك في صناعة المستقبل.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه التجربة أنها لم تنظر إلى الفقر بوصفه قدرًا محتومًا، بل تحديًا يمكن تجاوزه بالإرادة السياسية والعمل المنظم، وهنا تكمن القيمة الفكرية للتجربة الصينية؛ فهي تؤكد أن العدالة الاجتماعية ليست شعارًا، بل سياسة عامة، وأن الاستثمار في الإنسان، والتعليم، والابتكار، والتنمية المتوازنة بين الأقاليم، هو الطريق الحقيقي لبناء مجتمع مزدهر.
أما في عالمنا العربي، فإن الفقر لم يعد مجرد مشكلة اقتصادية، بل تحول إلى أحد أبرز التحديات التي تعوق التنمية والاستقرار، في ظل الحروب، والاحتلالات، والتبعية الاقتصادية، والاختلالات البنيوية التي حدَّت من قدرة الدولة الوطنية على القيام بدورها التنموي والاجتماعي، ومن هنا، فإن استلهام التجربة الصينية لا يعني استنساخها، فلكل شعب خصوصيته التاريخية والثقافية، وإنما الاستفادة من فلسفتها القائمة على التخطيط طويل الأمد، وتعزيز دور الدولة، وربط التنمية بالإنتاج والعدالة الاجتماعية.
وفي فلسطين، تزداد الصورة تعقيدًا، لأن الاحتلال الإسرائيلي لا يكتفي باغتصاب الأرض والاستيطان، بل يفرض حصارًا اقتصاديًّا ممنهجًا، ويستنزف الموارد الطبيعية، ويقوض إمكانات التنمية، ويستخدم الإفقار أداةً لإخضاع الشعب الفلسطيني وإضعاف صموده، لذلك، فإن النضال ضد الفقر لا ينفصل عن النضال من أجل إنهاء الاحتلال، كما أن الحق في العمل والتعليم والصحة والحياة الكريمة هو جزء لا يتجزأ من حق شعبنا في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة.
لقد أكدت هذه الزيارة أن الحوار العربي الصيني يتجاوز حدود العلاقات السياسية والاقتصادية، ليؤسس لشراكة فكرية وحضارية تقوم على تبادل الخبرات، واحترام التنوع، والإيمان بأن التنمية العادلة تمثل المدخل الحقيقي لبناء السلام والاستقرار، كما تؤكد أن دول الجنوب تمتلك من الطاقات والإمكانات ما يؤهلها للإسهام في بناء نظام دولي أكثر توازنًا، يقوم على التعاون والمنفعة المتبادلة، ويرفض الهيمنة وسياسات الإملاء.
إن مسؤولية القوى اليسارية والتقدمية العربية اليوم لا تقتصر على الإشادة بالتجارب الناجحة، بل تتمثل في تحويل دروسها إلى برامج عمل وطنية تعيد الاعتبار لدور الدولة في التنمية، وتعزز الاقتصاد المنتج، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، وتربط بين العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني، باعتبارهما ركيزتين لمشروع نهضوي عربي جديد.
ولعل أهم درس تقدمه الصين للعالم اليوم أن التنمية ليست معجزة اقتصادية، بل ثمرة رؤية سياسية، وإرادة وطنية، وتخطيط علمي، وانحياز دائم للإنسان، أما بالنسبة لنا في فلسطين والعالم العربي، فإن استلهام هذا الدرس لا يعني استنساخ التجربة، بل امتلاك الشجاعة لبناء نماذجنا الوطنية القادرة على ربط التنمية بالعدالة، والعدالة بالحرية، والحرية بالكرامة الإنسانية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.