11:12 مساءً / 15 يوليو، 2026
آخر الاخبار

من الشرعية إلى الوظيفة: عندما لم يعد سؤال الشرعية كافياً لفهم السياسة الفلسطينية ، بقلم : د. ديمة فايق أبو لطيفة

من الشرعية إلى الوظيفة: عندما لم يعد سؤال الشرعية كافياً لفهم السياسة الفلسطينية

من الشرعية إلى الوظيفة: عندما لم يعد سؤال الشرعية كافياً لفهم السياسة الفلسطينية ، بقلم : د. ديمة فايق أبو لطيفة

ربما لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً في السياسة الفلسطينية هو: من يملك الشرعية؟ بل سؤال آخر ظل يتوارى خلف نقاشات الانقسام والانتخابات والتمثيل: ما الوظيفة التي يؤديها النظام السياسي الفلسطيني اليوم، وهل ما يزال يؤدي الوظيفة التي نشأ من أجلها؟

ليس هذا انتقالاً من مصطلح إلى آخر، بل انتقال من إطار كامل لفهم السياسة الفلسطينية إلى إطار مختلف. فمنذ ثلاثة عقود انشغل الفلسطينيون، ومعهم كثير من الباحثين، بمصدر الشرعية، شرعية منظمة التحرير، والسلطة الفلسطينية، والانتخابات، والمقاومة، والتمثيل.

لكن التحولات المتراكمة كشفت أن الشرعية، على أهميتها، لم تعد وحدها قادرة على تفسير المأزق السياسي الفلسطيني.

فالشرعية تجيب عن سؤال من يحكم؟ أما الوظيفة فتجيب عن سؤال أكثر عمقاً: من أجل ماذا يحكم؟

وعندما تصبح الإجابة عن السؤال الثاني غامضة، يفقد الأول كثيراً من قدرته على تفسير الواقع.

ولعل هذا التمييز يقترب من النقاش الذي شهدته الأدبيات الحديثة في علم السياسة، حيث لم يعد تقييم النظم السياسية يقتصر على مصدر شرعيتها، بل امتد إلى قدرتها على أداء الوظائف التي أُنشئت من أجلها، ومدى استجابتها للتحولات الاجتماعية والتاريخية.

ومن هذه الزاوية، يصبح سؤال الوظيفة امتدادًا لسؤال الشرعية، لا بديلاً عنه.

لقد نشأ النظام السياسي الفلسطيني الحديث بوظيفة واضحة: تنظيم الإرادة الوطنية وقيادة مشروع التحرر. وعندما تأسست السلطة الفلسطينية، لم تُطرح باعتبارها غاية سياسية مستقلة، بل أداة انتقالية تمهد لقيام دولة ذات سيادة.

غير أن المرحلة الانتقالية امتدت حتى تحولت إلى واقع سياسي دائم، بينما تغير المجتمع، وتبدلت البيئة الإقليمية، وتعقدت بنية الصراع.

وهنا وقع التحول الأكثر عمقاً، وإن كان الأقل نقاشاً.

فالمشكلة لم تعد تقتصر على التنافس حول الشرعية، بل أصبحت تتعلق بانزياح وظيفة النظام السياسي نفسه. ومع تراكم الأعباء اليومية، انتقل مركز الثقل تدريجياً من السعي إلى تغيير الواقع إلى إدارة الواقع، ومن التفكير في إنهاء المرحلة الانتقالية إلى البحث عن كيفية التكيف معها.

لا تهدف هذه القراءة إلى نزع الشرعية عن أي مؤسسة، ولا إلى التقليل من أهمية إدارة شؤون المجتمع، بل إلى طرح سؤال تأخر طويلاً:

هل ما تزال الوظيفة التي تأسس عليها النظام السياسي الفلسطيني قادرة على الاستجابة لتحولات الحاضر، أم أن الزمن أعاد تشكيلها من دون مراجعة فكرية وسياسية حقيقية؟

ومن هذا السؤال تنطلق هذه المقالة، لأن فهم السياسة الفلسطينية اليوم لم يعد يمر فقط عبر سؤال الشرعية، بل عبر إعادة التفكير في وظيفة النظام السياسي ذاته.

حين غيّر الزمن وظيفة النظام السياسي

لا تتغير الأنظمة السياسية دائماً بفعل القرارات الكبرى؛ فكثيراً ما يعيد الزمن تشكيلها بصمت.

فالمؤسسات التي تنشأ لتحقيق غاية محددة لا تبقى بمنأى عن تأثير البيئة التي تعمل داخلها، ومع امتداد الزمن تتبدل أولوياتها وتتغير معايير نجاحها، وأحياناً تنزاح وظيفتها الأصلية من دون إعلان أو قرار.

هذا ما حدث، بدرجات متفاوتة، في الحالة الفلسطينية. فقد أُنشئت السلطة الفلسطينية لإدارة مرحلة انتقالية قصيرة نسبياً تنتهي بقيام الدولة.

لذلك صُممت مؤسساتها باعتبارها مؤسسات عبور، تستمد مشروعيتها من كونها وسيلة لا غاية. غير أن المرحلة الانتقالية لم تنته، بل أصبحت الإطار الزمني الأطول في تاريخ النظام السياسي الفلسطيني المعاصر.

وعندما يطول الانتقال، يتوقف عن كونه انتقالاً. فالمؤسسات التي كان يفترض أن تقود إلى الدولة وجدت نفسها تدير مجتمعاً كاملاً تحت الاحتلال، وتواجه يومياً تحديات الاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة والأمن.

ومع كل أزمة جديدة، أصبحت الأولوية للحفاظ على انتظام الحياة العامة ومنع الانهيار، وهي مسؤوليات وطنية لا يمكن التقليل من أهميتها، لكنها فرضت منطقاً مختلفاً على عمل النظام السياسي.

وربما يفسر ذلك ما ذهب إليه عالم الاقتصاد المؤسسي دوغلاس نورث، الذي يرى أن المؤسسات لا تتغير فقط بقرارات التأسيس، بل يعاد تشكيل وظائفها تدريجياً بفعل القيود والحوافز التي تنتجها البيئة السياسية والاقتصادية.

ومع مرور الزمن، قد تصبح الوظائف الجديدة أكثر رسوخاً من الأهداف الأصلية التي قامت عليها المؤسسة، حتى وإن لم يصدر قرار رسمي بإعادة تعريفها.

كما أن استمرار العمل باتفاقيات وترتيبات صُممت في سياق أوسلو، رغم التحولات الكبرى التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال العقود الثلاثة الماضية، يعكس كيف تحولت المرحلة الانتقالية من إطار مؤقت إلى واقع سياسي طويل الأمد، وأصبح الحفاظ على استمرارية المؤسسات هدفاً بحد ذاته.

ويتقاطع هذا التحول مع ما يطرحه جيمس مارش ويوهان أولسن في تحليلهما للمؤسسات، إذ يذهبان إلى أن المؤسسات تكتسب مع مرور الزمن منطقاً خاصاً يحكم سلوكها، بحيث تصبح المحافظة على استمراريتها واستقرارها جزءًا من وظيفتها الأساسية، حتى عندما تبتعد تدريجياً عن الغايات التي أُنشئت من أجلها.

وفي هذا السياق، يمكن فهم كيف أصبح الحفاظ على انتظام عمل المؤسسات الفلسطينية هدفاً قائماً بذاته، فرضته ضرورات الواقع بقدر ما فرضته اعتبارات التأسيس.

وهكذا، لم يعد نجاح المؤسسة يُقاس فقط بقدرتها على تقريب لحظة التحرر، بل بقدرتها على إدارة الواقع القائم. ومن هنا بدأ انزياح الوظيفة.

فبدل أن تكون الإدارة أداة تخدم المشروع الوطني، أصبحت، بفعل الضرورة، مركز النشاط السياسي اليومي، بينما تراجع التفكير الاستراتيجي إلى الخلف.

ويظهر هذا التحول بوضوح في طبيعة أولويات العمل الحكومي خلال السنوات الأخيرة. فقد أصبحت الأزمات المالية المتكررة، وتأمين رواتب الموظفين، والحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية، تتصدر جدول أعمال السلطة الفلسطينية بصورة شبه دائمة، في حين تراجع النقاش حول كيفية إنهاء المرحلة الانتقالية أو إعادة تعريف مسارها السياسي.

ولا يقلل ذلك من أهمية هذه المسؤوليات، لكنه يكشف كيف دفعت ضرورات الإدارة اليومية وظيفة النظام السياسي إلى مساحات لم تكن هي الغاية التي أُنشئ من أجلها.

ولا يعني ذلك أن المشروع الوطني تراجع بوصفه قيمة أو هدفاً، بل إن إيقاع الحكم اليومي فرض أولويات مختلفة. فالمؤسسة المسؤولة عن ملايين المواطنين لا تستطيع تجاهل احتياجاتهم الآنية، لكنها، إذا استغرقت بالكامل في إدارة الحاضر، تخاطر بأن يتحول المؤقت إلى دائم، وأن تصبح المحافظة على الواقع هدفاً بحد ذاته بدل أن تكون وسيلة لتغييره.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية التي تواجه النظام السياسي الفلسطيني. فهو مطالب، في الوقت نفسه، بأن يدير مجتمعاً يعيش تحت ظروف شديدة التعقيد، وأن يحافظ على مشروع وطني لم يكتمل.

وبين هاتين الوظيفتين يتولد توتر مستمر، لأن ضرورات الحكم تتحرك وفق إيقاع يومي، بينما يتحرك مشروع التحرر وفق أفق تاريخي أطول.

ومن ثم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط من يمتلك الشرعية، بل ما إذا كانت الوظيفة التي يؤديها النظام السياسي ما تزال منسجمة مع الغاية التي نشأ من أجلها. فالشرعية تمنح حق ممارسة السلطة لكنها لا تحدد وحدها اتجاه هذه السلطة ولا الرسالة التي يفترض أن تؤديها.

ومن هنا، لا تبدو الانتخابات المقبلة مجرد مناسبة لتجديد المؤسسات، بل فرصة لإعادة طرح سؤال أكثر عمقاً:

هل يحتاج الفلسطينيون إلى تجديد الشرعية فقط، أم إلى إعادة تعريف وظيفة نظامهم السياسي بما يتناسب مع التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال العقود الثلاثة الماضية؟

حين تغيّر المجتمع… وبقيت السياسة تتحدث بلغة الأمس

ليست أزمة النظام السياسي الفلسطيني أنه توقف عن الحركة، بل أن المجتمع الذي يفترض أن يمثله تغيّر بوتيرة أسرع من قدرته على مراجعة أدواته وخطابه.

فالحروب المتعاقبة والانقسام الممتد، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، وصعود جيل جديد تشكل وعيه في سياق مختلف تماماً، أعادت صياغة الأسئلة التي يطرحها الفلسطينيون على السياسة، بينما ظل جزء كبير من الخطاب السياسي يتحرك داخل الفرضيات التي صيغت قبل ثلاثة عقود.

وربما لهذا السبب تبدو العودة إلى الخطاب السياسي الذي صيغ في تسعينيات القرن الماضي أقل قدرة على تفسير الواقع الراهن.

فالمشكلة ليست في اللغة وحدها، بل في أن المجتمع الذي كانت تخاطبه تلك اللغة لم يعد هو نفسه بعد ثلاثة عقود من التحولات.

وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى، فالمجتمعات لا تتغير فقط عندما تتبدل مؤسساتها، بل عندما تتغير نظرتها إلى معنى السياسة ذاتها. لقد نشأ جيل كامل لم يعش لحظة تأسيس السلطة الفلسطينية، ولا مفاوضات أوسلو، ولا السياقات التي صاغت النظام السياسي في بداياته.

تجربته السياسية تشكلت في ظل الانقسام، والحروب، والأزمات الاقتصادية، والفضاء الرقمي، وتراجع اليقين السياسي. ولذلك فإن الأسئلة التي يحملها تختلف عن تلك التي حملتها الأجيال السابقة.

ويمكن ملاحظة ذلك في اتساع الفجوة بين أولويات الخطاب الرسمي وبين النقاشات التي تتصدر الفضاء الرقمي الفلسطيني، حيث يركز قطاع واسع من الشباب على قضايا المساءلة والشفافية والفاعلية السياسية بقدر تركيزه على قضايا التمثيل والشرعية، وهو تحول يعكس تغيراً في طبيعة العلاقة بين المجتمع والسياسة.

لم يعد السؤال الوحيد: من يمثل الفلسطينيين؟ بل أصبح أيضاً: ما الذي يقدمه هذا التمثيل؟ وما الأفق الذي يفتحه؟ وكيف تتحول المؤسسات إلى أدوات لبناء المستقبل، لا إلى مجرد آليات لإدارة الأزمات؟

وهذا التحول في طبيعة الأسئلة يعكس تغيراً في العلاقة بين المجتمع والسياسة، أكثر مما يعكس تبدلاً في المزاج العام.

لقد اعتادت النظم السياسية أن تستمد استقرارها من قدرتها على مواكبة التحولات الاجتماعية. أما عندما يتغير المجتمع أسرع من مؤسساته، فإن الفجوة بين الطرفين تتسع تدريجياً، حتى لو حافظت المؤسسات على تماسكها الإداري.

فالمشكلة لا تكون عندئذ في غياب المؤسسات، بل في اتساع المسافة بين اللغة التي تتحدث بها، والواقع الذي يحاول المجتمع تفسيره.

وزادت الحرب الأخيرة من عمق هذا التحول. فالحروب الكبرى لا تعيد رسم موازين القوى فحسب، بل تعيد ترتيب الوعي الجمعي أيضاً. وهي تدفع المجتمعات إلى مراجعة كثير من المسلمات، وإعادة التفكير في مفاهيم مثل القيادة، والتمثيل والفاعلية، وأولويات العمل الوطني.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه المراجعات على نظرة الفلسطينيين إلى نظامهم السياسي، وإلى الوظيفة التي ينتظرون منه أن يؤديها في المرحلة المقبلة.

وقد عمقت الحرب على غزة هذا التحول، إذ لم تقتصر آثارها على الجانب الإنساني، بل دفعت شرائح واسعة من الفلسطينيين إلى إعادة طرح أسئلة تتعلق بفاعلية المؤسسات الوطنية، وأشكال القيادة، وقدرة النظام السياسي على الاستجابة لتحولات غير مسبوقة في البيئة الفلسطينية.

ومن هنا، لم تعد القضية تتعلق بتجديد النخب أو تغيير الحكومات وحده، بل بقدرة النظام السياسي على استيعاب مجتمع تغيّرت تجربته التاريخية. فالسياسة لا تستمد حيويتها من قدرتها على الحفاظ على استمرارية المؤسسات فقط، بل من قدرتها على قراءة التحولات الاجتماعية قبل أن تتحول إلى فجوة في الثقة أو أزمة في التمثيل.

وهذا ما يجعل العودة المتكررة إلى سؤال الشرعية وحده غير كافية. فالشرعية تظل شرطاً أساسياً لأي نظام سياسي، لكنها لا تضمن، بذاتها، أن يكون هذا النظام قادراً على التعبير عن مجتمع يتغير باستمرار.

ولهذا، فإن النقاش الفلسطيني يحتاج اليوم إلى أن ينتقل من البحث عن مصدر الشرعية إلى البحث في كيفية تجديد العلاقة بين النظام السياسي والمجتمع، بحيث تصبح المؤسسات أكثر قدرة على تمثيل التحولات الجديدة، لا مجرد إدارة نتائجها.

إن أي مراجعة حقيقية لمستقبل النظام السياسي الفلسطيني لا يمكن أن تبدأ من الانتخابات وحدها، ولا من إعادة توزيع السلطة بين الفاعلين السياسيين، بل من الاعتراف بأن المجتمع الفلسطيني لم يعد هو المجتمع الذي صيغت له البنية السياسية الحالية. وعندما يتغير المجتمع، يصبح تجديد الوظيفة السياسية ضرورة، لا خياراً.

لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه قبل أي استحقاق انتخابي ليس فقط: من سيفوز؟

بل: هل يمتلك النظام السياسي القدرة على تمثيل مجتمع جديد بأدوات صيغت لمرحلة تاريخية مختلفة، أم أن اللحظة الراهنة تفرض إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين المجتمع والسياسة ذاتها؟

الانتخابات لا تصنع التحول… بل تكشف حدوده

يُنظر إلى الانتخابات، في العادة، بوصفها لحظة قادرة على إعادة إنتاج السياسة من جديد، وكأن صناديق الاقتراع تستطيع، بمجرد إعلان النتائج، أن تفتح مرحلة مختلفة.

غير أن هذا التصور يفترض أن الأزمة تكمن في الأشخاص أو موازين القوى، بينما تشير التجربة الفلسطينية إلى أن السؤال أعمق من ذلك. فحين تتغير وظيفة النظام السياسي، ويتغير المجتمع الذي يعمل في إطاره، تصبح الانتخابات اختباراً لهذه التحولات أكثر من كونها أداة لإحداثها.

ولعل تجربة الانتخابات التشريعية عام 2006 تقدم مثالاً واضحاً على ذلك، فقد أفرزت نتائجها شرعية انتخابية جديدة، لكنها لم تكن كافية لتجاوز التعقيدات البنيوية التي واجهها النظام السياسي، وانتهى الأمر بانقسام سياسي ومؤسسي ما تزال آثاره قائمة حتى اليوم. وهو ما يبين أن تجديد الشرعية لا يؤدي تلقائياً إلى تجديد وظيفة النظام السياسي.

ومن هنا، فإن المبالغة في تحميل الانتخابات ما لا تحتمله قد تقود إلى خيبة أمل جديدة. فالانتخابات تستطيع أن تجدد النخب، وأن تعيد تشكيل المؤسسات المنتخبة، وأن تمنح النظام السياسي شرعية ديمقراطية متجددة، لكنها لا تستطيع، بمفردها، إعادة تعريف الوظيفة التي يؤديها هذا النظام، ولا تجاوز القيود البنيوية التي تشكلت عبر عقود من الاحتلال والانقسام والمرحلة الانتقالية الممتدة.

إن أي انتخابات تُجرى داخل بنية سياسية مستقرة تؤدي وظيفة واضحة، تختلف جذرياً عن انتخابات تُجرى داخل نظام ما يزال يبحث عن تعريف دوره.

ففي الحالة الأولى يدور التنافس حول البرامج والسياسات، أما في الثانية فإن السؤال الأعمق يتعلق بطبيعة النظام نفسه: ما الذي يُنتظر منه؟ وما الحدود التي يستطيع أن يتحرك داخلها؟ وما العلاقة التي ينبغي أن تربطه بالمشروع الوطني في هذه المرحلة؟

ولذلك، فإن الخطأ لا يكمن في اعتبار الانتخابات ضرورة، فهي ضرورة لا غنى عنها لاستعادة الحياة الدستورية وتجديد التمثيل السياسي.

لكن الخطأ يكمن في الاعتقاد بأنها وحدها، قادرة على حل أزمة تراكمت عبر سنوات طويلة من التحولات البنيوية. فالانتخابات تُنتج شرعية، لكنها لا تُنتج تلقائياً رؤية سياسية جديدة، ولا تعيد صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع، ولا تحسم التوتر القائم بين متطلبات الحكم ومتطلبات المشروع الوطني.

ومن هنا، فإن التجارب السياسية تُظهر أن تجديد المؤسسات لا يساوي دائمًا تجديد السياسة. فقد تتبدل الحكومات، وتتغير القيادات، بينما يبقى النظام يعمل وفق الفرضيات نفسها التي أنتجت أزماته. والسبب أن التحول الحقيقي لا يبدأ عند تداول السلطة، بل عند مراجعة الأسئلة التي يقوم عليها النظام السياسي نفسه.

وهذا هو التحدي الذي يواجه الفلسطينيين اليوم. فالنقاش العام ما يزال ينصب، في معظمه، على هوية الفائزين المحتملين، في حين أن السؤال الأكثر إلحاحاً هو:

هل يمتلك النظام السياسي تصوراً جديداً لوظيفته بعد كل التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية؟ لأن تغيير الفاعلين من دون مراجعة الوظيفة قد يغيّر أسلوب الإدارة، لكنه لا يغيّر اتجاه السياسة.

من هذه الزاوية تصبح الانتخابات فرصة لاختبار قدرة النظام السياسي على التعلم من تجربته، لا مجرد آلية لتجديد شرعيته. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بمن سيحكم، بل بما إذا كان الحكم نفسه يستند إلى تصور جديد يوازن بين إدارة المجتمع والحفاظ على مركزية المشروع الوطني، أو أنه سيواصل العمل ضمن المنطق الذي تشكل في مرحلة تاريخية مختلفة.

لذلك، فإن القيمة الحقيقية للانتخابات المقبلة لن تُقاس فقط بنزاهتها أو بنسبة المشاركة فيها، وإنما بقدرتها على فتح نقاش وطني حول سؤال ظل مؤجلاً طويلاً:

إذا كان المجتمع قد تغيّر، ووظيفة النظام السياسي قد انزاحت تحت ضغط الزمن، فهل حان الوقت لإعادة تعريف الدور الذي ينبغي أن ينهض به هذا النظام؟

عند هذه النقطة، لا تعود الانتخابات نهاية النقاش، بل بدايته. فهي لا تصنع التحول التاريخي، لكنها تكشف ما إذا كانت السياسة الفلسطينية مستعدة للدخول فيه، أم أنها ما تزال تدور داخل الأسئلة التي صاغتها مرحلة لم تعد قائمة بالمعنى الذي نشأت فيه.

وكذلك فإن تأجيل الانتخابات العامة منذ عام 2021 أعاد النقاش إلى سؤال الشرعية، لكنه في الوقت نفسه كشف أن الأزمة لا تتعلق فقط بموعد الاقتراع، وإنما أيضاً بغياب توافق أوسع حول الدور الذي ينبغي أن يؤديه النظام السياسي في المرحلة المقبلة.

من الشرعية إلى الوظيفة… إعادة تعريف السياسة لا إعادة إنتاجها

إذا كان الانتقال من سؤال الشرعية إلى سؤال الوظيفة يمثل التحول المفاهيمي الذي تقترحه هذه المقالة، فإن الغاية منه ليست استبدال مفهوم بآخر، بل إعادة ترتيب أولويات التفكير السياسي الفلسطيني.

فالشرعية ستظل شرطاً لا غنى عنه لأي نظام سياسي، لكنها لم تعد كافية وحدها لتفسير أسباب تعثره أو لتحديد مسار تطوره. فالنظام قد يمتلك شرعية قانونية أو تاريخية أو انتخابية، ومع ذلك يعجز عن مواكبة التحولات إذا بقي يؤدي وظيفة لم تعد تستجيب لمقتضيات المرحلة.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأنظمة السياسية ليس فقدان شرعيتها، بل فقدان قدرتها على تجديد دورها. فالسياسة لا تُختبر فقط بقدرتها على الحفاظ على المؤسسات، وإنما أيضاً بقدرتها على إعادة تعريف علاقتها بالمجتمع كلما تبدلت شروط الواقع.

وعندما تستمر المؤسسات في أداء الوظيفة نفسها بينما يتغير المجتمع والصراع والبيئة المحيطة، تنشأ فجوة لا تعالجها الانتخابات وحدها، ولا يكفي لسدها تغيير الأشخاص أو إعادة توزيع المناصب.

وربما لهذا يبدو أن السؤال الذي يواجه الفلسطينيين اليوم ليس كيف يحافظ النظام السياسي على بقائه فحسب، بل كيف يستعيد قدرته على إنتاج معنى سياسي جديد. فاستمرار المؤسسة لا يعني بالضرورة استمرار وظيفتها، كما أن بقاء الهياكل لا يضمن بقاء الرسالة التي قامت من أجلها.

وقد ظهرت بوادر هذا التحدي في النقاشات التي أعقبت الحرب الأخيرة، حيث لم يقتصر الجدل على شكل الحكومة المقبلة أو آليات إعادة الإعمار، بل امتد إلى أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني، وحدود وظيفته، والعلاقة التي ينبغي أن تربطه بالمجتمع وبالمشروع الوطني في المرحلة القادمة.

من هنا، فإن إعادة تعريف وظيفة النظام السياسي الفلسطيني لا تعني التخلي عن مشروع التحرر، كما لا تعني اختزال السياسة في إدارة الشأن اليومي. إنها تعني إعادة بناء العلاقة بين هذين البعدين بحيث تصبح المؤسسات وسيلة لتعزيز المشروع الوطني، ويصبح المشروع الوطني إطاراً يوجّه عمل المؤسسات، لا مجرد مرجعية خطابية تُستحضر في المناسبات.

لقد فرضت العقود الماضية على النظام السياسي الفلسطيني أولويات فرضتها ضرورات البقاء، وهي ضرورات مفهومة في ظل الاحتلال والانقسام والأزمات المتلاحقة. لكن ما كان استجابة لظروف استثنائية لا ينبغي أن يتحول إلى فلسفة دائمة للحكم.

فالأنظمة التي تنجح في المراحل الانتقالية هي تلك التي تعرف كيف تمنع الضرورة من التحول إلى قاعدة، وكيف تعود، كلما تغيرت الظروف، إلى مراجعة دورها وأهدافها.

ولذلك، فإن الحاجة اليوم ليست إلى إعادة إنتاج النظام السياسي بصورته الحالية، ولا إلى القطيعة معه، بل إلى مراجعته من الداخل.

والمراجعة الحقيقية لا تبدأ بإعادة توزيع السلطة، بل بإعادة تعريف الوظيفة التي يُنتظر من هذا النظام أن يؤديها في العقد المقبل. فهل سيظل إطاراً لإدارة مرحلة انتقالية امتدت أكثر مما ينبغي؟

أم يتحول إلى نظام سياسي يعيد بناء أولوياته على أساس الجمع بين الحكم الرشيد، وتجديد التمثيل، والحفاظ على مركزية المشروع الوطني؟

إن هذا السؤال لا يخص النخب السياسية وحدها، بل يخص المجتمع الفلسطيني بأسره. فكل عقد سياسي جديد يبدأ عندما تتوافق المجتمعات على الوظيفة التي تنتظرها من مؤسساتها. وعندها فقط تصبح الشرعية أكثر من مجرد تفويض انتخابي، تصبح تعبيراً عن توافق على الغاية التي تتحرك السياسة من أجلها.

ولهذا، فإن القيمة الحقيقية للمرحلة المقبلة لن تتحدد بقدرة الفلسطينيين على إجراء الانتخابات فحسب، بل بقدرتهم على فتح نقاش وطني يتجاوز سؤال: من يحكم؟

إلى سؤال أكثر جوهرية: ما الذي ينبغي أن ينجزه الحكم؟ لأن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين تجديد السلطة وتجديد السياسة.

وربما عند هذه النقطة تحديداً يصبح الانتقال من الشرعية إلى الوظيفة أكثر من مجرد تحول في المصطلحات، إنه انتقال من التفكير في مصدر السلطة إلى التفكير في رسالتها، ومن إدارة الواقع كما هو إلى إعادة التساؤل عن الواقع الذي ينبغي السعي إلى بنائه. وهذا هو النقاش الذي لا تستطيع الانتخابات أن تحسمه، لكنها قد تكون الفرصة الأنسب لبدئه.

لا تدخل الأنظمة السياسية أزماتها الكبرى عندما تتراجع شعبيتها، ولا حتى عندما تتعرض شرعيتها للطعن، بل عندما تستمر في الإجابة عن أسئلة لم تعد مجتمعاتها تطرحها. وعندها لا تصبح المشكلة في نقص الأدوات، وإنما في تغير السؤال نفسه.

وربما هذا هو التحول الذي تشهده السياسة الفلسطينية اليوم. فعلى مدى عقود، انصب الجدل على سؤال الشرعية؛ من يمثل الفلسطينيين، ومن يمتلك حق اتخاذ القرار، ومن يحظى بالتفويض الشعبي أو التاريخي.

غير أن التحولات التي راكمتها السنوات، بما حملته من احتلال ممتد، وانقسام، وحروب، وتغيرات اجتماعية وإقليمية، تشير إلى أن هذا السؤال، على أهميته، لم يعد كافياً لفهم المأزق الراهن.

فالقضية لم تعد تتعلق فقط بشرعية النظام السياسي، بل بقدرته على إعادة تعريف وظيفته في سياق تاريخي يختلف جذرياً عن السياق الذي نشأ فيه. ذلك أن الشرعية تمنح النظام حق ممارسة السلطة، لكنها لا تمنحه، وحدها، رؤية للمستقبل.

أما الوظيفة، فهي التي تحدد الغاية التي تتحرك من أجلها السياسة، والمعيار الذي تُقاس به جدوى المؤسسات، والاتجاه الذي تُبنى على أساسه الخيارات الوطنية.

ومن هنا، فإن الانتخابات المقبلة، مهما بلغت أهميتها، ليست سوى محطة في مسار أطول. فقيمتها الحقيقية لن تُقاس فقط بقدرتها على تجديد التمثيل، بل بقدرتها على إطلاق مراجعة أوسع للسؤال الذي تأخر كثيراً:

ما الذي ينتظره الفلسطينيون من نظامهم السياسي في المرحلة المقبلة؟ لأن تجديد الشرعية من دون تجديد الوظيفة قد يمنح النظام استمرارية، لكنه لا يمنحه بالضرورة قدرة أكبر على صناعة المستقبل.

إن المجتمعات لا تتقدم عندما تغيّر حكوماتها فقط، بل عندما تمتلك الشجاعة لإعادة التفكير في الأفكار التي قامت عليها نظمها السياسية. والسياسة الفلسطينية، بعد أكثر من ثلاثة عقود على ولادة المرحلة الانتقالية، تبدو اليوم أمام لحظة من هذا النوع، لحظة لا تفرض عليها إعادة توزيع السلطة بقدر ما تدعوها إلى إعادة تعريف رسالتها، بما يوازن بين ضرورات الحكم، ومتطلبات التمثيل، واستمرار المشروع الوطني بوصفه الإطار الذي يمنح المؤسسات معناها، لا مجرد المبرر لوجودها.

ولذلك، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل السياسة الفلسطينية في السنوات المقبلة لن يكون: من سيفوز في الانتخابات؟

بل سؤالًا أكثر عمقاً: هل يمتلك النظام السياسي القدرة على إعادة تعريف وظيفته قبل أن يعيد المجتمع تعريفه؟

لعل المساهمة الأساسية التي يقترحها هذا المقال تتمثل في أن تفسير أزمات الأنظمة السياسية التي تنشأ في سياقات انتقالية لا ينبغي أن يقتصر على سؤال الشرعية، بل يجب أن يمتد إلى تحليل التحولات التي تطرأ على وظيفة هذه الأنظمة مع مرور الزمن.

فالمؤسسات قد تحتفظ بإطارها القانوني ورمزيتها السياسية، لكنها قد تؤدي، بفعل الضغوط اليومية وتغير البيئة المحيطة، وظائف تختلف تدريجياً عن تلك التي أنشئت من أجلها. ومن ثم فإن فهم أزمة النظام السياسي الفلسطيني يقتضي الجمع بين تحليل الشرعية وتحليل الوظيفة، لا باعتبارهما سؤالين متنافسين، وإنما باعتبارهما مستويين متكاملين لتفسير التحول المؤسسي.

وإذا صح أن سؤال الشرعية هيمن على النقاش الفلسطيني طوال العقود الماضية، فإن المرحلة المقبلة قد تفرض سؤالاً مختلفاً: كيف تتغير وظيفة النظام السياسي عندما تطول المرحلة الانتقالية أكثر مما احتمل تصميمها الأصلي؟

عند هذه النقطة، لا يصبح الانتقال من الشرعية إلى الوظيفة مجرد إعادة صياغة للمفاهيم، بل محاولة لتقديم إطار تحليلي يفسر كيف يمكن للمؤسسات أن تتغير من الداخل، حتى عندما تبدو، في ظاهرها كما هي.

وربما تكمن أهمية هذا الإطار في أنه لا يساعد على فهم الحالة الفلسطينية فحسب، بل يفتح الباب أيضاً لدراسة أنظمة سياسية انتقالية أخرى واجهت تحولات مشابهة في وظائفها مع امتداد الزمن.

  • – د. ديمة فايق أبو لطيفة – أستاذ الفكر الإسلامي والأيديولوجيات المعاصرة- جامعة الاستقلال – فلسطين

شاهد أيضاً

علوش : يهنئ نيكاراغوا بذكرى انتصار الثورة الساندينية ويؤكد الحرص على تعزيز علاقات التضامن

شفا – هنّأ الرفيق محمد علوش، أمين سر المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، جمهورية …