
وجهة نظر: الصين التي عرفتها.. من طالب عربي إلى مستشار ثقافي ، بقلم: أ.د حسين إبراهيم
القاهرة 7 يوليو 2026 (شينخوا) عندما يتحدث كثيرون عن التجربة الصينية، فإنهم يستندون إلى الكتب والإحصاءات والتقارير الدولية.. أما أنا، فأستحضر قبل كل شيء الذاكرة.
أستحضر الصين التي عرفتها طالبا في مرحلة الليسانس بين عامي 1988 و1989، ثم باحثا خلال دراسة الدكتوراه بين عامي 1998 و2001، ثم دبلوماسيا وممثلا لمصر، حين تشرفت بالعمل مستشارا ثقافيا وتعليميا وعلميا، ومديرا للمكتب الثقافي والتعليمي بسفارة جمهورية مصر العربية في بكين خلال الفترة من 2014 إلى 2019.
ثلاث محطات امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، جعلتني لا أرى الصين كخبر اقتصادي، ولا كعنوان سياسي، وإنما كمجتمع يتغير أمام عيني، ودولة تبني مستقبلها بخطوات محسوبة.
وحين يحتفل الحزب الشيوعي الصيني بمرور 105 أعوام على تأسيسه، فإنني لا أتوقف كثيرا عند الأرقام أو الاحتفالات، بل أتأمل السؤال الأهم: كيف استطاعت دولة بهذا الحجم أن تحافظ على مسار تنموي متواصل، رغم ما شهده العالم من أزمات وتحولات كبرى؟
عندما وصلت إلى الصين للمرة الأولى في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، كانت البلاد تعيش مرحلة مختلفة تماما عما نراه اليوم، كانت الإصلاحات الاقتصادية قد بدأت تؤتي ثمارها، لكن الصين لم تكن بعدُ القوة الاقتصادية والتكنولوجية التي يعرفها العالم الآن، ومع ذلك، كان يمكن لأي متابع أن يلمس شيئا مهما؛ وهو أن هناك رؤية واضحة للمستقبل، وأن الجميع يعمل في اتجاه واحد.
وعندما عدت إليها في نهاية التسعينيات لاستكمال دراسة الدكتوراه، كانت وتيرة التغيير أسرع بكثير، مدن تتوسع، وجامعات تتطور، ومراكز أبحاث تنمو، واستثمارات ضخمة في التعليم والعلوم والتكنولوجيا، شعرت آنذاك أن الصين لا تستثمر في الحاضر فقط، بل تبني ما سيكون عليه مستقبلها بعد عشرين أو ثلاثين عاما.
أما خلال عملي في بكين بين عامي 2014 و2019، فقد رأيت مرحلة جديدة من مسيرة الصين؛ مرحلة الانتقال من اقتصاد يعتمد على التصنيع إلى اقتصاد يقوده الابتكار، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتنمية الخضراء، وخلال لقاءاتي مع مسؤولين وأساتذة جامعات وباحثين وطلاب، كنت ألاحظ أن الحديث عن المستقبل ليس شعارا، بل ثقافة مؤسسية تتكرر في الجامعات، ومراكز الفكر، والهيئات الحكومية، والشركات.
ومن واقع هذه الخبرة، أستطيع القول إن سر التجربة الصينية لا يكمن فقط في حجم الاقتصاد أو عدد السكان، وإنما في ثقافة التخطيط، ففي الصين، لا تُدار الدولة بعقلية رد الفعل، بل بعقلية استشراف المستقبل، الخطط لا تُعد لسنة أو اثنتين، وإنما لعقود، مع مراجعة مستمرة للأهداف والوسائل دون التخلي عن الرؤية العامة.
كما أدركت أن التعليم في الصين ليس قطاعا خدميا فحسب، بل هو جزء من الأمن القومي والتنمية الوطنية، ولهذا لم يكن غريبا أن تتحول الجامعات الصينية إلى مراكز للإبداع والبحث العلمي، وأن تستقطب مئات الآلاف من الطلاب من مختلف دول العالم.
وخلال سنوات عملي في المكتب الثقافي المصري ببكين، كنت شاهدا على التطور المتسارع في التعاون التعليمي والعلمي بين مصر والصين، وعلى اهتمام متزايد من الطلاب والباحثين المصريين بالتعرف إلى التجربة الصينية، ليس من باب الإعجاب، وإنما من باب الفهم والاستفادة.
إن الاحتفال بمرور 105 أعوام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني لا ينبغي أن يكون مناسبة لاستعراض التاريخ فقط، بل فرصة لطرح سؤال أعمق: ما الذي يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة؟
في تقديري، لا يتمثل الجواب في نقل النموذج الصيني كما هو، فلكل دولة خصوصيتها، وإنما في استيعاب المبادئ التي صنعت هذا النجاح: وضوح الرؤية، واستمرارية السياسات، وبناء المؤسسات، والاستثمار في الإنسان، والقدرة على التعلم من التجربة وتصحيح المسار كلما اقتضت الحاجة.
لقد عرفت الصين طالبا، ثم باحثا، ثم دبلوماسيا، ولذلك أستطيع أن أقول بثقة إن أكبر ما تغير في الصين لم يكن شكل المدن فقط، بل طريقة التفكير، فهناك إيمان راسخ بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع، وأن التنمية ليست مشروع حكومة، بل مشروع أمة.
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي خرجت به بعد سنوات طويلة من العيش والعمل في الصين: أن نهضة الدول تبدأ عندما تتحول الرؤية إلى عمل، والعمل إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى ثقافة تستمر عبر الأجيال.
ملحوظة المحرر: أ.د/ حسين إبراهيم، هو المستشار الثقافي والتعليمي والعلمي الأسبق لسفارة مصر لدى الصين وحاليا عميد كلية اللغات والترجمة بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.