
نظرية المهدي.. ما بين الماشيحية والمسيانية ، بقلم : الفيلسوف والمفكر الإسلامي م. محمد نبيل كبها
فكرة المخلّص المنتظر (المهدي أو المسيا أو المشيح) أخذت طبقات من المعنى مختلفة، وتطورت عبر القرن دلاليّاً، والمعنى من هذه الفكرة هو “كل من يؤدي مهمة تخدم الشعب بالمعنى الإلهي أو الاجتماعي أو السياسي”.
المُخلّص في النحل والثقافات
المُخلّص المُنتظر في العقيدة اليهودية، يُصوَّر كزعيم من نسل نبينا داود -عليه السلام- يجمع اليهود في فلسطين، ليُعيد بناء الهيكل، وينشر الأمان في البشرية.
أما في العقيدة المسيحية، فهو يسوع “المسيح” بعينه، حيث يعتقد المسيحيين حلول الرب في جسد المسيح، وفكرة المخلص المنتظر لدى المسيحيين في اللاهوت المسيحي تُعرف ب”الباروزيا (Parousia)”، وتعود إلى المجيء الثاني والظهور المجيد ليسوع المسيح في نهاية الزمان.
أما في العقيدة الإسلامية “عند أهل السنة والجماعة”، هو رجل من آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- من ولد سيدتنا فاطمة الزهراء، وتحديداً من نسل الحسن بن علي -رضي الله عنهما- يوافق اسمه اسم النبي واسم أبيه (محمد بن عبد الله) وهو لم يولد بعد، بل سيولد في آخر لحظات الزمان، ويبايعه المسلمون عند الكعبة المشرفة في مكة، وسيكون معاصراً لنزول النبي عيسى بن مريم عليه السلام في آخر الزمان، ويصلي عيسى خلفه، حيث سيخرج المهدي أولاً، ثم يظهر الدجال، وينزل عيسى فيقتل الدجال، وسيموت عيسى -عليه السلام- ميتة طبيعية، ويكون المهدي الخليفة الذي سيحكم بالعدل والإسلام، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً حتى تجلي بقية علامات الساعة الكبرى والتي تكون محكومة ببروز أول علامة فيها “المهدي المنتظر”.
أما في العقيدة الإسلامية “عند الشيعة الإمامية (الإثنا عشرية)”، فهو إمام يُدعى محمد بن الحسن العسكري، وهو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت، وهو مولود وحي يرزق حتى الآن، ويمتد عمره بقدرة إلهية، وهو ركن أساسي من أركان العقيدة وأصل من أصول الدين لديهم.
لكن فكرة المخلص المنتظر أو المسيح المنتظر أو المهدي المنتظر، أو ما يُعرف ب “الماشيح أو المسيانية أو المشيحية أو المخلصية (Saviour)” موجودة في معظم الثقافات والنِّحل منذ قرون، فهي حاضرة في الطاوية الصينية، والهندوسية، والبوذية، والزاودشتية “الزاردشتية – الفارسية القديمة”، والحضارات الفرعونية، وأساطير “سكايرم” وشعوب الشمال.
ففي الطاوية الصينية ينتظرون شخصية تُدعى “لي هونغ”، وفي البوذية يؤمنون بظهور بوذا المستقبلي ويدعى “مايتريا”، وفي الهندوسية ينتظرون تجسداً عاشراً وأخيراً للإله فيشنو يُدعى “كالكي”، وفي الزرادشتية (الفارسية القديمة) يؤمنون بظهور مخلص يُدعى “سوشيانت”، وفي الحضارة الفرعونية تظهر الفكرة في “نبؤات نيفيرتي”، التي تتحدث عن مجيء ملك يدعى “آمني”، وفي أساطير “سكايرم” وشعوب الشمال يتجلى البطل المختار (مثل “الدوفاكين” أو المنقذ) الذي سيظهر عند اقتراب نهاية العالم لهزيمة التنانين، جُل فكرة المخلصين في مختلف الثقافات أنهم سيبعثون للقضاء على الشر، ولإنقاذ الأخيار، وتطهير الأرض، ونشر السلام في العالم.
إن المهادي والمسحاء هم بالألوف عبر التاريخ، حتى في ثقافات سكان أمريكا الأصلية، فبعض قبائلها أمثال (الأزتيك والمايا) يؤمنون بعودة الإله الأبيض الملتحي “كويتزالكواتل” لنشر السلام والعدل.
وبالعودة إلى أصل الفكرة.. هل مصطلح المهدي اسلامي خالص، أم تم تعريبه؟
مقارنة في القراءات الموجودة في التلمود، والتناخ (24 سفر – السور والأنبياء والكتابات)، والتوراة (اول خمسة اسفار من التناخ- العهد القديم)، والأناجيل الأربعة (العهد الجديد) والصحيح من الأحاديث عند المسلمين، ستجد أن كل ما يتعلق بأخبار المهدي والدجال وعيسى مكررة في الثلاثة شرائع.
في صحيح مسلم هناك أحاديث مأخوذة من سفر اشعياء، وهناك العديد من الأحاديث في الصحاح مأخوذة من أدبيات يهودية ومسيحية، ولكن ليس بمعنى النقل الحرفي أو الاعتماد عليها كمصدر للتشريع، ولكن بالموافقة، حيث توجد أحاديث في الصحيحن توافق ما في التوراة، وتحديدا (أخبار بني إسرائيل) وتسمى «الإسرائيليات» التي أخبر النبي ﷺ عن صحة بعضها وعدم تكذيبه
إن أصل فكرة المسيا (أو المشيح – מָשִׁיחַ بالعبرية) فهو “الممسوح”، حيث كان يتم سكب زيت المسحة المقدس على رؤوس الملوك والكهنة والأنبياء، كعلامة على اختيار الله لهم وتكريسهم للتبليغ والتحذير، حيث كان المسيح يُمسح بالزيت، ويُبلغ، ويهدي، ويُكشف عنه، لذلك كان يطلق عليه (المسيح).
وأصل فكرة المهداوية هي حبرية (يهودية) تعود إلى أهل الكتاب، وكعب الأحبار هو من ابتدع فكرة المهدي من ناحية ابستمولوجية، وكعب هو يهودي من أهل اليمن، كان يُبشّر بظهور (المهدي) وكان يستقي أخباره من الكتب القديمة، حيث سيخرج ويأتي بلاد الشام، ويستخرج نسخ من التوراة التي يُسلم عليها الناس أجمعين، وتم تعريب الفكرة لاحقاً من طرف المسلمين.
من هو هذا المُنتظر؟
إن أول من أشاع نظرية المهدي هو المختار بن أبي عبيد الثقفي، المشهور ب”المختار الثقفي”، ويُعتبر تاريخياً أول من نقل مصطلح “المهدي” من معناه اللغوي -الإنسان المهدى- إلى معناه العقدي والسياسي -المخلّص المنتظر- حيث أطلق هذا اللقب على محمد بن الحنفية -ابن علي بن أبي طالب- خلال ثورته في الكوفة عام 66 هـ، ولم يمت ابن الحنفية في نظر أتباعه (الكيسانية) بل زعموا أنه غائب في جبل رضوى وسيعود، وكانت دواعي إطلاق نظريته المهداوية لخدمة مشروعه السياسي، حيث كان مع الأمويين، ثم انتقل للشيعة، ثم مع الزبيريين، ثم أعلن استقلاله، انتهاء الى ادعائه النبوة، حتى مقتله في القرن الأول عام ٦٧ للهجرة.
فكرة المخلص لا تقتصر على الزاوية الدينية فقط
يلاحظ في “التناخ” أن هناك فوارق تعكس أطر وفضاءات ثقافية مختلفة، وهذه يدل على أنه كتب عبر قرون عديدة، فهناك اليهود الإصلاحيين الذين يؤمنون بعودة المسيح، لكن ليست الرجعة الشخصانية -الشخص المسيح بدمه ولحمه- بل الميتافورية (المجازية)، بينما اليهود الأرثوذكس يؤمنون بعودة المسيح الشخصانية -المسيح بشحمه ولحمه- وحتى المسيحيين الكاثوليك غلب عليهم المنحى التأويلي والرمزي، لكن المسيحيين البروتوستانت الإصلاحية غلب عليهم التأويل الحرفي حول المسيح المنتظر، وهذه فوارق واختلافات جلية بين الثقافات على فكرة واحدة اتفق عليها الجميع، وهي ظهور المخلص أو المسيح أو المهدي المنتظر.
الكاتب الألماني “اميل لودفيغ” صنع مقاربة بين المسيح وبين كريشنة، فوجد أن هناك تلاقح وتثاقف بين فكرة المسيح وكريشنة، وأيضاً الآلهة الفارسية (ميثراس)، وهذا ليس ببعيد عن المقاربات الدقيقة بين ميلاد سرجون المشابه لميلاد موسى عليه السلام.
ولا يقتصر هذا التقارب على الزاوية العقدية الدينية، حيث يرى الفيلسوف الألماني الماركسي “إرنست بلوخ Ernst Bloch” أن فكرة “المخلص” ليست مجرد أسطورة دينية فقط، بل هي تعبير عن “وعي لم يتحقق بعد”، ورغبة إنسانية عميقة في الوصول إلى عالم يخلو من الاستغلال.
فكان يعتقد أن الأديان احتفظت بـ “الفائض الطوباوي” (Utopian Surplus) بفكرة “المسيح” أو “المهدي” أو “المخلص” على أنها رمز يمثل توق الفقراء والمضطهدين للعدالة، حيث أنهم لا يؤمنون بالمخلص ككائن غيبي ينزل من السماء، بل يرونه كقوة كامنة في المستقبل يجب على البشر تحويلها إلى واقع من خلال العمل الثوري.
في كتابه “توماس مونتزر لاهوتياً للثورة”، حلل بلوخ شخصية رجل الدين الألماني الذي قاد ثورات الفلاحين، حيث كان الإيمان بالقادم (المخلص) هو المحرك الذي دفع الفلاحين للثورة ضد الإقطاع، وهو ما يوائم الماركسية “الوريث” لهذا النفس النبوي الذي يسعى لتغيير العالم.
أسطورة المخلص تخالف روح القران
مع التشابه الجلي حول فكر هذا المخلص، إلا أن اليهود لا يرضون الا بالرواية اليهودية، وكذلك المسيحية، وكذلك المسلمون، وثلاثتهم يخالفون روح القرآن، ويتناقضون مع كتاب الله سبحانه -القرآن الكريم- وقوله الحق.
أحاديث المهدي أكثر من ألف وخمسون حديثاً، وردت فيها أحاديث صحيحة تصف صفاته وأفعاله وإمامته للأمة في آخر الزمان، مع أنه لم يُذكر في باب أحاديث المهدي لفظ “المهدي” صراحةً في الصحيحين! فضلاً على أنه لا يوجد إشارة واحدة في القرآن الكريم حول هذا المهدي! ومع ذلك نجد بعض علماء المسلمين من يعتبرها عقيدة، ومنهم من ذهب الى تكفير من لا يؤمن بأحاديث المهدي وعودة المسيح.
هناك حديث صريح “لا مهدي إلا عيسى” ، أخرجه ابن ماجه والحاكم، وهو العمدة لمن يرى بطلان أحاديث المهدي، لكن الإمام البيهقي والذهبي أعلّوا هذا الحديث ووصفوه بالضعف الشديد لنكارة متنه وانقطاع سنده، وابن خلدون في مقدمته، ذهب إلى تضعيف قاطبة الأحاديث الواردة في المهدي، معتبراً أن أسانيدها لا تخلو من مقال أو جرح في الرواة
ان كثرة الأحاديث المرفوعة في المهدي ناتجة عن الوضع السياسي خلال العصرين الأموي والعباسي لدعم حركات الثورة أو تثبيت أركان الدول
وقد يسأل أحدهم: “أحاديث المهدي أحاديث متواترة كما القران الذي نقل توترا، ولا يجوز المساس بها!”، فاني اجيبه أن الفرق بين الاحاديث المتوترة في الصحاح والقران هي أن القران من نوع تواتر الطبقات، لأن الذي رواه الكافة عن الكافة (الجميع عن الجميع) عبر الأجيال تواتراً لفظياً (نقل نفس الألفاظ) و معنوياً (نقل نفس المعنى بألفاظ مختلفة) فهو مقطوع بصحته لفظاً ومعنى، رواه ألوف عن ألوف، وحفظه هؤلاء حرفاً عن ظهر حرف، وعندما جاء من يريد تحريف القرآن أو حتى أي حرف منه، كان الملايين من حفظة كتاب الله بانتظاره!!”
القرآن نقل عبر الأجيال بتواتر شامل للأمة، مما يجعل أي خطأ فيه مستحيلاً. لكن الحديث المتواتر هو نقل مجموعة رواة عن مجموعة في كل طبقة، مما يجعله عرضة للتضعيف من حيث صحة السند إذا تبين وجود راوٍ ضعيف.
لذلك، تكفير من لا يؤمن بفكرة المخلص هو أسلوب للقمع الفكري، وإذا اردت ان تكفر من لا يصدق بالمهدي، عليك ان تكفر البخاري ومسلم أولاً، لأنه لا يوجد أي دلالة لاسم ولفظة “المهدي” صراحة في الصحيحين، ولا أجد أي غائية حول مسألة المُخلص سوى أنها جزء من التعليل النحائزي المشغوف بالماورائيات.
إن فكرة المخلص هي زفرة الشعوب من توقها إلى طلب العدالة، لأن تاريخ العرب والمسلمين معظمه فساد في الأرض وسفك للدماء -كما قالت الملائكة عليها السلام في حوارها مع الله سبحانه حول خلافة أبونا آدم للكوكب الأزرق- وهي فكرة حبريّة بامتياز.
- – الفيلسوف والمفكر الإسلامي والداعية والأديب الفلسطيني م. محمد نبيل كبها
عضو الإتحاد العام لكتاب وأدباء فلسطين، والعرب، والاتحاد الدولي للمثقفين العرب، ومنتدى الكتاب العربي، والإتحاد الدولي لجامعات العلوم والبحوث والثقافة
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.