9:52 مساءً / 15 مايو، 2026
آخر الاخبار

وجهة نظر : منتدى الجنوب العالمي.. صوت جديد لعالم يتغير

شفا – مقالة بقلم: أحمد سلام

أحياناً تكشف الأحاديث الجانبية خارج الجلسات الرسمية ما لا تقوله البيانات الختامية المكتوبة. هذا ما شعرتُ به خلال مشاركتي في منتدى الجنوب العالمي رفيع المستوى لوسائل الإعلام ومراكز الفكر- مؤتمر الشراكة العربي الصيني، بالقاهرة؛ حيث بدا واضحاً أن العرب والصينيين لا يبحثون فقط عن تطوير العلاقات الاقتصادية، بل عن فهم أعمق لبعضهم البعض وسط عالم يعيد تشكيل نفسه سياسياً وإعلامياً بوتيرة متسارعة.

وعلى مدار يومين، عكست النقاشات حجم التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وحاجة دول الجنوب إلى خطاب إعلامي أكثر توازناً، خاصة بعد الأزمات والحروب التي كشفت بوضوح ازدواجية المعايير في كثير من وسائل الإعلام الدولية.

نظمت وكالة أنباء ((شينخوا)) بالتعاون مع جامعة الدول العربية المنتدى، بمشاركة نحو 250 ممثلاً من 110 مؤسسات إعلامية، ومراكز فكر، ومؤسسات حكومية وشركات من الصين والدول العربية، إضافة إلى منظمات إقليمية ودولية.

وقد حمل المنتدى رسالة جوهرية مفادها أن العلاقات العربية-الصينية لم تعد تقتصر على الاقتصاد والاستثمار، بل امتدت لتشمل مجالات الفكر والإعلام وصناعة “السردية الدولية” في إطار المسار الأوسع الذي يقوده منتدى التعاون العربي-الصيني منذ سنوات.

وخلال مشاركتي، كان لافتاً حجم الاهتمام الصيني بتعزيز التواصل مع النخب الإعلامية والفكرية العربية، والاستماع إلى الرؤى المختلفة بشأن مستقبل المنطقة والعالم. كما برز إدراك مشترك بأن الإعلام أصبح جزءاً أساسياً من معادلات القوة والتأثير، وليس مجرد ناقل للأخبار.

ومن أهم ما لمسته، أن الجانبين بحاجة إلى فهم أعمق بعيداً عن الصور النمطية والمعلومات المغلوطة التي يروجها “الآخر” عن الطرفين. فبناء شراكة حقيقية لا يتحقق بالاتفاقيات الاقتصادية فحسب، وإنما عبر تقديم سردية واقعية تعكس حضارة وثقافة ومواقف كل طرف كما هي، لا كما يُراد تصويرها سياسياً.

ولعل هذا التوجه تجسد في اللقاءات الرفيعة التي عقدها رئيس وكالة أنباء ((شينخوا)) فو هوا، خلال زيارته للقاهرة؛ حيث التقى الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، ورئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، بحضور زير الدولة للإعلام ضياء رشوان.

كما شملت جولة فو هوا، مؤسسات إعلامية كبرى، على رأسها مؤسسة ((الأهرام)) ولقاء مع رئيس مجلس إدارتها محمد فايز فرحات، إضافة إلى عدد من اللقاءات مع كل من رئيس وزراء مصر الأسبق عصام شرف، ورئيس الهيئة العامة للاستعلامات السفير علاء يوسف، والرئيس التنفيذي لهيئة المتحف المصري الكبير أحمد غنيم، على هامش زيارته للمتحف، وتعكس هذه اللقاءات رغبة الصين الحقيقية في بناء جسور تواصل مباشرة.

وشدد رئيس وكالة أنباء ((شينخوا)) خلال المنتدى على ضرورة توسيع مجالات التعاون لتشمل مختلف القطاعات، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب تنسيقاً أعمق بين دول الجنوب العالمي.

كما أكد السفير الصيني بالقاهرة لياو لي تشيانغ، في كلمته بمقر الجامعة العربية، على أهمية هذه العلاقات في دعم الاستقرار والتنمية وتحقيق المصالح المشتركة.

وشهدت الجلسة الافتتاحية حراكاً معرفياً لافتاً تمثل في إطلاق النسخة العربية من كتاب “حوكمة الصين” للرئيس شي جين بينغ، وإصدار تقرير (شينخوا) حول “إنجازات وفرص وآفاق التعاون الصيني-العربي في العصر الجديد”، بالإضافة إلى وثيقة فكرية بعنوان “فك تشفير الكلمات الساخنة حول الجنوب العالمي”.

ومن وجهة نظري، فإن المنتدى كان بمثابة حراك فكري يساهم في بناء رؤى مشتركة حول أولويات المرحلة المقبلة.

خلاصة القول فإن المنتدى أظهر أن “التوجه شرقاً” لم يعد مجرد خيار اقتصادي اضطراري، بل أصبح توجهاً استراتيجياً لدول المنطقة التي تبحث عن شراكات أكثر توازناً واستقلالية في عالم متعدد الأقطاب. إن أهمية هذا المحفل تكمن في تدشين مرحلة جديدة من “التنسيق الإعلامي والفكري”، وهي المجالات التي ستصيغ شكل الوعي الدولي في السنوات المقبلة.

ملحوظة المحرر: أحمد سلام هو عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية وعضو جمعية الصداقة المصرية الصينية

شاهد أيضاً

محمد زيات

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: اختبار جديد لحدود النظام الدولي ، بقلم : محمد زيات

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: اختبار جديد لحدود النظام الدولي ، بقلم : محمد زيات إن …