
قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: اختبار جديد لحدود النظام الدولي ، بقلم : محمد زيات
إن قانون إعدام الأسرى لا يختبر الفلسطينيين فقط، بل يختبر حدود قدرة النظام الدولي على حماية القيم التي يدّعي الدفاع عنها.
ولم يعد من الممكن التعامل مع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أقره الكنيست الإسرائيلي في 30 مارس/أذار2026 باعتباره مجرد تشريع قانوني داخلي أو خطوة مرتبطة بالسياق الأمني الإسرائيلي فقط، بل بات يمثل حدثًا سياسيًا يتجاوز حدود فلسطين وإسرائيل إلى مساحة أوسع تتعلق بطبيعة النظام الدولي، وحدود تأثير القانون الدولي، ومدى قدرة المؤسسات الدولية على فرض المعايير التي ترفعها منذ عقود باعتبارها أساسًا للعلاقات القائمة بين الدول.
ورغم أن كثيرًا من التحليلات تناولت الجانب القانوني للقانون، وركزت على مدى توافقه أو تعارضه مع قواعد القانون الدولي الإنساني، إلا أننا في هذا المقال سنركز على الأثر الأعمق لهذا القرار الذي يظهر في تداعياته السياسية والدبلوماسية، وفي الرسائل التي يحملها إلى العالم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فالقوانين في أوقات النزاعات لا تكون مجرد نصوص جامدة، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى أدوات سياسية تحمل أهدافًا تتجاوز بعدها القضائي.
في هذا السياق، يمكن فهم القانون باعتباره جزءًا من تحولات أوسع داخل المجتمع والسياسة في إسرائيل، حيث يبدو أن الخطاب الأمني يتجه تدريجيًا نحو مزيد من التشدد، مدفوعًا بعوامل داخلية تتعلق بالصراع السياسي وصراع النفوذ في أروقة القرار داخل إسرائيل وخاصة أن الأحزاب الإسرائيلية تستعد لخوض حملاتها الانتخابية في الأشهر القريبة القادمة بعد التوافق على الحل المبكر للكنيست، ومع صعود التيارات اليمينية، ومحاولة الحكومات الإسرائيلية إظهار قدر أكبر من الحزم على جميع الساحات أمام الرأي العام الداخلي، لكن ما يلفت الانتباه هنا هو أن هذا التشدد لم يعد يقتصر على إدارة الصراع ميدانيًا، بل بات يمتد إلى محاولة إعادة صياغة قواعد التعامل مع الفلسطينيين قانونيًا وسياسيًا.
ومن زاوية أخرى، فإن توقيت طرح هذا القانون لا يمكن فصله عن التحولات التي يشهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، خاصة حالة الانقسام الدولي، وتراجع قدرة المؤسسات الدولية على فرض قراراتها بصورة فعالة، فإسرائيل تدرك أن النظام الدولي الحالي يعيش حالة من الارتباك السياسي، وأن أولويات القوى الكبرى باتت مرتبطة أكثر بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية من ارتباطها بالمعايير الحقوقية والأخلاقية التي يجري الحديث عنها باستمرار.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: تممثل في أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في القانون نفسه، بل في احتمالية تحوّله إلى “أمر واقع “يعتاد عليه العالم تدريجيًا” فالكثير من السياسات التي كانت تُعتبر سابقًا صادمة أو غير مقبولة دوليًا، أصبحت مع الوقت جزءًا من المشهد السياسي المعتاد نتيجة غياب ردود فعل حقيقية تتجاوز حدود الإدانة الإعلامية أو الدبلوماسية.
من هذه الزاوية، يمكن القول إن إسرائيل لا تختبر الفلسطينيين فقط من خلال هذا القانون، بل تختبر أيضًا مدى استعداد المجتمع الدولي للانتقال من مرحلة “الرفض الخطابي” إلى مرحلة “الإجراءات العملية”، وإذا بقيت ردود الفعل محصورة ضمن البيانات السياسية التقليدية، فإن ذلك قد يشجع على مزيد من السياسات المشابهة مستقبلًا، وليس فقط في الحالة الفلسطينية، بل في نزاعات أخرى حول العالم.
أما على مستوى العلاقات الدولية، فإن القانون يضع إسرائيل أمام معادلة معقدة فمن جهة، ما زالت تتمتع بتحالفات استراتيجية قوية، وعلى رأسها علاقتها مع الولايات المتحدة، التي ترتبط معها بشبكة واسعة من المصالح الأمنية والعسكرية والسياسية، ومن جهة أخرى، فإن استمرار مثل هذه القوانين يخلق حالة متزايدة من الحرج لدى كثير من الدول الغربية التي تحاول دائمًا تقديم نفسها بوصفها مدافعة عن حقوق الإنسان والقانون الدولي.
وهنا تبرز المفارقة بوضوح في السياسة الدولية المعاصرة؛ فالدول الغربية التي تعارض عقوبة الإعدام في قوانينها الداخلية، وتنتقدها في دول أخرى، تجد نفسها أمام اختبار سياسي وأخلاقي عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، ولذلك فإن تأثير هذا القانون قد لا يظهر بشكل مباشر في شكل قطيعة سياسية أو عقوبات كبيرة، لكنه يساهم تدريجيًا في توسيع الفجوة بين الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان وبين الممارسة الفعلية على أرض الواقع.
كما أن القانون ينعكس بصورة واضحة على صورة إسرائيل في الرأي العام العالمي، خاصة مع تزايد تأثير وسائل الإعلام الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي في تشكيل المواقف الدولية، ففي العقود الماضية كانت الحكومات تتحكم بدرجة كبيرة في الرواية السياسية المقدمة للجمهور، أما اليوم فقد أصبحت الصور والمعلومات تنتشر بسرعة البرق، ما يجعل أي قرار مثير للجدل عرضة لنقاش عالمي واسع قد يؤثر على صورة الدول، حتى لو لم يؤثر مباشرة على تحالفاتها الرسمية.
وفي هذا الإطار، قد تواجه إسرائيل تحديات متزايدة داخل المجتمعات الغربية نفسها، وليس فقط على مستوى الحكومات. فهناك تنامٍ ملحوظ في نشاط الحركات الحقوقية والطلابية والأكاديمية التي تنتقد السياسات الإسرائيلية، خاصة في الجامعات الأوروبية والأمريكية، الأمر الذي قد يساهم في زيادة الضغوط الشعبية على الحكومات الغربية لاتخاذ مواقف أكثر تشددًا مستقبلًا، حتى وإن كانت هذه الضغوط لا تزال حتى الآن محدودة التأثير على القرارات الرسمية الكبرى.
أما بالنسبة للدول العربية، فإن القانون يمثل تحديًا إضافيًا لمسار التطبيع الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الأخيرة بعد اتفاقيات أبراهام، فالحكومات التي اختارت بناء علاقات سياسية أو اقتصادية مع إسرائيل تجد نفسها أمام رأي عام عربي ما زال يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية، وبالتالي فإن أي تصعيد في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين يضع هذه الحكومات في موقف حساس بين مصالحها السياسية وبين الضغوط الشعبية الداخلية.
ورغم أن هذا القانون قد لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار العلاقات التي أُنشئت خلال السنوات الماضية، إلا أنه قد يحدّ من قدرتها على التوسع والتطور بالوتيرة نفسها، خاصة في المجالات التي تحتاج إلى قبول شعبي أو تعاون مجتمعي واسع بمعنى آخر، قد لا يوقف القانون مسار التطبيع، لكنه قد يجعل هذا المسار أكثر هشاشة وأكثر عرضة للاهتزاز مع أي تصعيد جديد.
ومن الناحية القانونية، يثير القانون إشكاليات واضحة تتعلق بتعارضه مع المبادئ التي أرستها اتفاقيات جنيف، خاصة فيما يتعلق بضمانات المحاكمة العادلة وحماية الأسرى في أوقات النزاعات المسلحة، كما أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يضع قيودًا صارمة على تطبيق عقوبة الإعدام ويشدد على ضرورة عدم استخدامها بصورة تعسفية أو ذات طابع سياسي الأمر الذي لم تكترث له إسرائيل ولو قيد أُنملة.
لكن اللافت هنا أن المشكلة الأساسية لم تعد في وجود النصوص القانونية الدولية، بل في مدى القدرة على تنفيذها وفرضها على أرض الواقع، فالكثير من الدول باتت تدرك أن النظام الدولي يعاني من فجوة متزايدة بين المبادئ النظرية وآليات التطبيق الفعلية بشكل مُلزم، وهو ما يفسر تزايد الجرأة لدى بعض الحكومات في اتخاذ قرارات مثيرة للجدل مع توقع أن تكون ردود الفعل الدولية محدودة أو مؤقتة.
وربما تكمن أخطر نتائج هذا القانون في تأثيره طويل المدى على مفهوم العدالة الدولية نفسه، فإذا شعر كثير من الشعوب حول العالم أن القانون الدولي يُطبق بشكل انتقائي، وأن بعض الدول قادرة على تجاوز المعايير الدولية دون محاسبة حقيقية، فإن الثقة بالمؤسسات الدولية سوف تتراجع تدريجيًا، ما يضعف من قدرتها على لعب دور فعال في حل النزاعات مستقبلاً.
وفي تقديري، فإن هذا القانون لا يمثل مجرد إجراء أمني أو قانوني بقدر ما يعكس تحوّلًا أوسع في طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة، حيث أصبحت القوة السياسية والقدرة على تحمل الضغوط أهم أحيانًا من الالتزام بالقيم والمعايير، وهذا لا يعني أن القانون لن يسبب أضرارًا لصورة إسرائيل الدولية، بل يعني أن العالم بات يعيش مرحلة تتراجع فيها فعالية “الضغط الأخلاقي” أمام حسابات المصالح والتحالفات.
ختامًا، يمكن القول إن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين لا يكشف فقط عن طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل يكشف أيضًا عن أزمة أعمق يعيشها النظام الدولي المعاصر؛ أزمة تتعلق بحدود العدالة، وازدواجية المعايير، والفجوة بين الخطاب والممارسة الفلعلية، ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه هذا القانون لا يتعلق فقط بمصير الأسرى الفلسطينيين وحدهم، بل بمستقبل النظام الدولي نفسه، ومدى قدرته على الحفاظ على المبادئ التي تأسس عليها بعد الحرب العالمية الثانية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.