
من المؤتمر الصهيوني الأول إلى المؤتمر الثامن ، التحديات وسبل حماية المشروع الوطني الفلسطيني ، بقلم : منيب رشيد المصري
في البداية، نبارك لـحركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح انعقاد مؤتمرها الثامن، والذي يشكل محطة وطنية وديمقراطية مفصلية في تاريخ الشعب الفلسطيني، نظرًا لما تمثله الحركة من دور تاريخي ومكانة سياسية جعلتها، على مدار عقود، العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية وحامية المشروع الوطني الفلسطيني في مختلف المراحل والمنعطفات. ففتح لم تكن يومًا مجرد إطار تنظيمي، بل شكلت الهوية السياسية الجامعة للشعب الفلسطيني، وقادت مسيرته النضالية في أصعب الظروف وأكثرها تعقيدًا. ومن هنا، فإن قوة الحركة تنعكس قوةً على الحالة الفلسطينية بأكملها، فيما ينعكس أي ضعف أو انقسام داخلها مباشرة على مجمل المشروع الوطني الفلسطيني. لذلك، فإن المؤتمر الثامن لا يمكن النظر إليه كمحطة تنظيمية داخلية فحسب، بل باعتباره مؤتمرًا وطنيًا بامتياز، تتجاوز نتائجه حدود الحركة لتطال مستقبل القضية الفلسطينية برمتها، في ظل تحديات غير مسبوقة تستهدف الأرض والإنسان والسردية والوجود الفلسطيني ذاته، حتى بات الفلسطينيون أمام معادلة تاريخية عنوانها: أن نكون أو لا نكون. وبإذن الله تعالى سنكون.
وكما أهنئ حركة فتح بهذه المناسبة، أهنئ نفسي باعتباري شاهدا على تأسيس هذه الحركة منذ البداية وتحديدا منذ لقائي الأول مع الشهيدين خليل الوزير “ابو جهاد” والرمز ياسر عرفات ” أبو عمار” في مدينة الجزائر عام 1963، وكذلك تشرفت بالمشاركة في الاجتماع التشاوري لتأسيس الحركة مع الأخوة الشهداء إضافة إلى المرحوم حمدان عاشور ومحمد أبو ميزر وكذلك الاجتماع الذي نظم العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح في عام 1969 بمشاركة المرحومين أحمد الشقيري عبد المجيد شومان وحسيب الصباغ وعبد المحسن قطان وكان هدف هذا الاجتماع تقريب وجهات النظر بين أحمد الشقيري وياسر عرفات.
لقد لخصت في مقالتي السابقة والتي حملت عنوان “من بازل إلى غزة نكبة الإنسانية: السرد التاريخي وأبعاد المشروع الصهيوني العالمي والذي جاء تنفيذا لفكر وبرنامج وخطة شاملة اجتمعت عليها مصالح الحركة الصهيونية والصهيونية المسيحية المتجددة، لينتج عن هذا المشروع كل ما نعيشه اليوم من نكبات وويلات وصراعات وتحديدا في منطقة المشرق العربي باعتبارها المنطقة المستهدفة لتكون موطن هذا المشروع الاستعماري الإحلالي والذي يجري السعي لإنجازه وتتويجه من خلال إقامة إسرائيل الكبرى ومنذ ذلك الحين، دخل الشعب الفلسطيني في مواجهة مفتوحة مع مشروع استعماري إحلالي قائم على التهجير والاستيطان وإلغاء الآخر، ضمن رؤية توسعية لطالما روّجت “لإسرائيل الكبرى” الممتدة من النيل إلى الفرات .
وفي المقابل، لم يستسلم الشعب الفلسطيني لهذه المشاريع، بل خاض مسيرة طويلة من النضال الوطني بدأت بثورات متعاقبة، وصولًا إلى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة بقيادة حركة فتح عام 1965، التي أعادت الاعتبار للهوية الوطنية الفلسطينية المستقلة، ونقلت الفلسطيني من حالة اللجوء والشتات إلى حالة الفعل السياسي والكفاح الوطني. إلا أن الشعب الفلسطيني واصل دفع أثمان باهظة، بدءًا من النكبة الفلسطينية التي شهدت اقتلاع مئات آلاف الفلسطينيين من أرضهم، مرورًا بـالنكسة واحتلال القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وصولًا إلى عقود من الاستيطان والحصار والاعتقالات والاغتيالات ومحاولات طمس الهوية الوطنية الفلسطينية ، وحتى الإبادة الجماعية التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية الأشد تطرفا بقيادة نتانياهو.
واليوم، ومع الحرب المدمرة التي يتعرض لها قطاع غزة والضفة الغربية ، وما رافقها من مشاهد قتل وتجويع وتدمير ممنهج للبنية الإنسانية والعمرانية، تبدو القضية الفلسطينية أمام مرحلة شديدة الخطورة، حيث تتسارع محاولات تصفية المشروع الوطني الفلسطيني عبر فرض وقائع جديدة تقوم على التهجير القسري وكسر إرادة الشعب الفلسطيني وإنهاء أي أفق سياسي عادل. وفي خضم هذه التحديات وغياب الانتخابات الديموقراطية منذ أكثر من عشرين عاما، لا يمكن تجاهل الآثار الكارثية للانقسام الفلسطيني الداخلي، الذي أضعف الموقف الوطني وأفقد الفلسطينيين عنصر القوة الأهم، والمتمثل بوحدة القرار والرؤية والمصير.
ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق المؤتمر الثامن لحركة فتح تتطلب الخروج بفكر وطني جامع ورؤية وطنية شاملة تعيد بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس الوحدة والشراكة والديمقراطية وتجديد الشرعيات الوطنية، بما يضمن حماية الهوية الوطنية الفلسطينية وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، خاصة في القدس التي تتعرض لأخطر مشاريع التهويد والتفريغ الديمغرافي والسياسي. كما أن المرحلة تستدعي تطوير أدوات النضال السياسي والدبلوماسي والقانوني والإعلامي، وإعادة الاعتبار لدور منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد جامع لكل الفلسطينيين، والعمل الجاد لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية باعتبارها المدخل الحقيقي لأي مشروع تحرري ناجح، ومما سيشجع باقي دول العالم للاعتراف بدولة فلسطين وقبولها عضوا كامل العضوية في هيئة الأمم.
وفي هذا السياق، يجب للمؤتمر الثامن أن يشكل نقطة انطلاق نحو مرحلة فلسطينية جديدة من خلال تبني مجموعة من القرارات الأساسية، وفي مقدمتها: إطلاق حوار وطني شامل ينهي الانقسام الفلسطيني، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية، وتمكين المرأة و الشباب من المشاركة في صناعة القرار الوطني، وتعزيز صمود المقدسيين وكافة أبناء الشعب الفلسطيني وتحديدا في مناطق (ج )اقتصاديًا واجتماعيًا في ظل حصار مالي غير مسبوق ومواصلة قرصنة أموال الشعب الفلسطيني من قبل الحكومة الإسرائيلية، وضرورة وضع استراتيجية وطنية للتوعية وحماية السردية الفلسطينية في مواجهة حملات التزييف والتحريض، إضافة إلى توسيع الحضور الفلسطيني على الساحة الدولية وتفعيل أدوات القانون الدولي لمحاسبة الاحتلال على جرائمه.
وفي مواجهة الفكر الصهيوني القائم على الإقصاء والعنصرية ومنطق القوة، فإن الفلسطينيين مطالبون أيضًا بتقديم فكر إنساني وأخلاقي عالمي قائم على الحق و العدالة والحرية وكرامة الإنسان وحماية البيئة . فالقضية الفلسطينية لم تكن يومًا قضية شعب يسعى للانتقام، بل قضية شعب يطالب بحقه في الحياة والحرية والسلام. ومن هنا، فإن الرؤية المستقبلية يجب أن تتجاوز حدود الصراع التقليدي نحو بناء عالم أكثر إنسانية وعدالة، عالم تسوده قيم السلام والتعاون والتنمية المشتركة، خال من الأوبئة والحروب والكراهية والعنصرية والصراعات العابرة للحدود. كما أن تحقيق السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط لن يكون ممكنًا إلا من خلال إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، استنادًا إلى مبادرة السلام العربية، وبما يضمن الأمن والاستقرار والكرامة لجميع شعوب المنطقة. مع أهمية تحويل هذا إلى فكر يجمع عليه كل الفلسطينيين وأحرار ومحبي السلام.
إن فلسطين، رغم كل الجراح، ستبقى قضية حرية وعدالة إنسانية، وسيبقى الشعب الفلسطيني بمساندة العرب والمسلمين وأحرار العالم قادرًا على حماية مشروعه الوطني ما دام متمسكًا بوحدته وحقوقه التاريخية وإرادته الحرة، لأن الشعوب التي تمتلك الحق والوعي والإرادة لا يمكن أن تُهزم مهما اشتدت التحديات وتعاظمت المؤامرات.
وفي الختام وانطلاقا من المسؤولية الوطنية والأخلاقية التي أخدتها على عاتقي منذ أكثر من 84 عام ، وقد تعززت من خلالي علاقتي مع رفيق الدرب الشهيد ياسر عرفات والذي حملني مع أخوة آخرين مسؤولية النضال القانوني والسياسي والتنموي فقد عملت على المساهمة بكل إمكانياتي لحماية المشروع الوطني الفلسطيني من خلال دعم الحركة الوطنية الفلسطينية وعضويتي في المجلسين الوطني والمركزي منذ تأسيس المنظمة ، وكذلك عملي كمتطوع في حكومة الصديق المرحوم وصفي التل عام 1970 لرأب الصدع وتوطيد العلاقات الأردنية الفلسطينية وكذلك كوزير دولة في أول حكومة فلسطينية ، وتأسيس المؤسسات التنموية وأبرزها مؤسسة التعاون ومؤسسة العون الطبي ومؤسسة منيب وانجلا المصري التي أطلقت مشاريعها الخيرية في كافة محافظات الوطن ودول أخرى وصندوق ووقفية القدس واللجنة الأهلية لمحافظة نابلس ، وكذلك ساهمت بإدارة وتأسيس المؤسسات المالية والاستثمارية مثل البنك العربي وشركة فلسطين للتنمية والاستثمار باديكو إضافة لإطلاق مشاريع متعددة أبرزها المخطط الوطني المكاني الشامل لدولة فلسطين 2050 ، ومشروع توثيق السردية الفلسطينية ، ومشروع مقاضاة بريطانيا بشأن الآثار الناتجة عن وعد بلفور ، أجد نفسي اليوم مطالبا بمضاعفة الجهود في ظل الظروف ولمؤامرات الصعبة التي نمر بها ، وأهمية التركيز على إنهاء الانقسام وإجراء الانتخابات، وبناء فكر وطني وإنساني جامع، وتعزيز الوعي لدى الأجيال الناشئة وصولا للعمل على ترسيخ رسالة وفكر إنساني عالمي لبناء كوكب يسوده الحق والعدالة خال من الأوبئة والحروب والحدود والحواجز، وأدعو الجميع لتحمل مسؤوليته بأمانة وإخلاص ، ففلسطين وشعبها أمانة في أعناقنا ، والوقت من دم ، والتاريخ لن يرحم احد.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.