12:50 صباحًا / 13 مايو، 2026
آخر الاخبار

الآثار ليست أداة سيادة… التراث الفلسطيني في مواجهة التسييس الاستعماري ، بقلم : د. منى أبو حمدية

الآثار ليست أداة سيادة… التراث الفلسطيني في مواجهة التسييس الاستعماري ،

الآثار ليست أداة سيادة… التراث الفلسطيني في مواجهة التسييس الاستعماري ، بقلم : د. منى أبو حمدية

في واحدة من أخطر المحاولات الرامية إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الثقافية في فلسطين المحتلة، صادق الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى على مشروع إقامة ما يسمى “هيئة التراث في الضفة الغربية”، في خطوة لا يمكن قراءتها ضمن إطار الحماية الأثرية أو الإدارة الثقافية، بل ضمن مشروع سياسي استعماري يستخدم علم الآثار أداةً لإنتاج السيادة وفرض الرواية بالقوة القانونية والعسكرية.

إن علم الآثار، وفق المفاهيم الأكاديمية الحديثة هو علم إنساني تراكمي يدرس تعاقب الحضارات وتفاعلها عبر الزمن. ومن هذا المنطلق، فإن محاولة الاحتلال تحويل الآثار الفلسطينية إلى جهاز أمني – إداري تابع لما يسمى “وزارة التراث الإسرائيلية” تمثل انحرافاً خطيراً عن أخلاقيات البحث الأثري والمعايير الدولية لحماية التراث الثقافي.

فالهوية الحضارية لفلسطين لم تُبنَ على طبقة أثرية واحدة، ولم تكن يوماً نتاج حقبة منفصلة عن سياقها التاريخي. هذه الأرض شهدت تعاقب الحضارات الكنعانية والفلسطينية القديمة والآرامية والرومانية والبيزنطية والإسلامية والعثمانية، وكل طبقة أثرية فيها تشهد على التراكم الحضاري لا على الإلغاء الحضاري. وعليه، فإن اختزال المشهد الأثري الفلسطيني في سردية أحادية ذات طابع توراتي هو انتهاك للمنهج العلمي نفسه، لأن علم الآثار الحديث يقوم على التعددية الثقافية وتحليل السياقات المادية بعيداً عن التوظيف الأيديولوجي.

لقد أثبتت مدارس النقد الأثري المعاصرة أن تسخير الحفريات لخدمة مشاريع استعمارية يؤدي إلى تسييس المعرفة، وتشويه نتائج التنقيب، وإعادة تفسير اللقى الأثرية بما يخدم أهدافاً سياسية مسبقة. وهذا ما حذر منه عدد واسع من علماء الآثار الدوليين الذين أكدوا أن أي سلطة احتلال لا تملك شرعية أخلاقية أو قانونية لإعادة تعريف التراث الواقع تحت الاحتلال أو مصادرة المواقع الأثرية وتحويلها إلى أدوات ضمّ وسيطرة.

إن القرار الإسرائيلي الأخير لا يهدد الحجر فقط، بل يهدد الإنسان الفلسطيني ذاته؛ لأن المواقع الأثرية في فلسطين ليست معزولة عن محيطها الاجتماعي، بل هي جزء من الذاكرة الجمعية للسكان، ومن الهوية الثقافية المتوارثة عبر الأجيال. وعندما تُصادر المواقع، تُصادر معها الرواية المحلية، ويُنتزع المجتمع من امتداده التاريخي والجغرافي.

كما أن هذا المشروع يمثل خرقاً واضحاً للاتفاقيات الدولية الناظمة لحماية التراث الثقافي، وعلى رأسها اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية، واتفاقية جنيف الرابعة، واتفاقية حماية التراث العالمي لعام 1972، والتي تؤكد جميعها عدم جواز استغلال التراث الثقافي في الأراضي المحتلة لأغراض سياسية أو استعمارية.

ومن موقعنا الأكاديمي والبحثي، فإننا نؤكد أن حماية الآثار الفلسطينية لا تتحقق عبر عسكرة المواقع الأثرية أو إخضاعها لمنظومة الاحتلال، بل عبر دعم المؤسسات العلمية الفلسطينية، وتمكين الباحثين المحليين، وتعزيز التعاون الدولي المهني المستقل القائم على المعايير العلمية الخالصة.

إنني أناشد المؤسسات الأكاديمية الدولية، والمراكز البحثية، والاتحادات الأثرية العالمية، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، التحرك العاجل لوقف هذا التعدي الخطير على التراث الفلسطيني، والعمل على حماية المواقع الأثرية الفلسطينية باعتبارها إرثاً إنسانياً عالمياً لا يجوز إخضاعه لمعادلات القوة والاحتلال.

فالمعركة اليوم ليست على الحجارة وحدها، بل على الحقيقة العلمية ذاتها؛ على حق الشعوب في رواية تاريخها بعيداً عن الهيمنة، وعلى حق الآثار أن تبقى شاهداً على الحضارة… لا أداةً في يد الاستعمار.

  • – د. منى أبو حمدية – باحثة في التراث والآثار – فلسطين .

شاهد أيضاً

حسين الشيخ يضع إكليلا على ضريح الشهيد عرفات بالذكرى 78 للنكبة

حسين الشيخ يضع إكليلا على ضريح الشهيد عرفات بالذكرى 78 للنكبة

شفا – نيابة عن فخامة رئيس دولة فلسطين محمود عباس، وضع سيادة نائب رئيس دولة …