1:30 مساءً / 4 أبريل، 2026
آخر الاخبار

ترامب بين إخفاق الخارج وتصعيد الداخل: هل يهتز النظام الأمريكي؟ بقلم : أحمد سليمان

ترامب بين إخفاق الخارج وتصعيد الداخل: هل يهتز النظام الأمريكي؟ بقلم : أحمد سليمان

في لحظة سياسية دقيقة تعيشها الولايات المتحدة، لم يعد الجدل يدور حول سياسات عابرة أو مواقف ظرفية، بل بات يمس جوهر النظام الأمريكي نفسه. فمع تصاعد خطاب دونالد ترامب وتنامي سلوكه التصادمي، تتكشف ملامح أزمة أعمق من مجرد خلافات سياسية، أزمة ترتبط بمحاولة إعادة تشكيل قواعد اللعبة الديمقراطية تحت ضغط الإخفاقات الخارجية والعزلة الدولية. وبين فشل في فرض أجندته على الساحة العالمية، وعجز عن حشد الحلفاء، يبدو أن ترامب يسعى لتعويض ذلك عبر الداخل الأمريكي، في مسار يثير مخاوف حقيقية من انزلاق غير مسبوق نحو تقويض المؤسسات وتغليب النزعة الفردية على حساب الدستور.

تشهد الساحة السياسية الأمريكية حالة من التوتر غير المسبوق في ظل هذا النهج، حيث يبدو ترامب وكأنه يسعى لإعادة تشكيل النظام السياسي الأمريكي بما يتجاوز الأعراف الديمقراطية الراسخة. هذا التوجه يأتي في أعقاب إخفاقه في تحقيق أهدافه الخارجية، وعلى رأسها فشل سياساته في إحداث تغيير جذري في إيران، وهو ما انعكس بشكل واضح على أدائه الداخلي وخطابه السياسي.

إن هذا الفشل الخارجي لم يكن مجرد انتكاسة دبلوماسية، بل تحول إلى عامل ضغط سياسي دفع ترامب نحو تبني مواقف أكثر تشدداً، ومحاولة نقل المعركة إلى الداخل الأمريكي. فبدلاً من مراجعة السياسات وإعادة تقييم النهج، اتجه إلى تصعيد خطاب الانقسام، والتشكيك في مؤسسات الدولة، في سلوك يعكس حالة من الاضطراب السياسي الواضح.

ولو أن الولايات المتحدة اختارت أن تقف إلى جانب العدالة والقانون الدولي، لكان من الطبيعي أن تجد العالم يقف إلى جانبها. غير أن انحيازها الواضح لسياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وما يرافق ذلك من دعم غير مشروط للتصعيد، ساهم في إضعاف مصداقيتها الدولية، وخلق فجوة متزايدة بينها وبين حلفائها التقليديين. هذا الواقع يفسر إلى حد كبير حالة الفتور الأوروبي تجاه دعوات التصعيد، حيث لم تعد العواصم الغربية مستعدة للانخراط في مغامرات عسكرية لا تستند إلى توافق دولي أو شرعية واضحة.

بل إن التناقض في المواقف الأمريكية نفسها زاد من حدة هذا التباعد، فكيف يمكن لحليف أن يثق بسياسة تلوّح بالتصعيد والتهديد من جهة، ثم تعود لتطلب الدعم والتضامن من جهة أخرى؟ لقد عكست تصريحات ترامب التي لوّح فيها بالسيطرة على جزيرة جرينلاند حالة من التخبط السياسي، خاصة في ظل مطالبته في الوقت ذاته بدعم أوروبي لسياساته، وهو ما عمّق الشكوك الأوروبية وأضعف فرص بناء تحالفات متماسكة.

في المقابل، يواجه ترامب ضغوطاً متزايدة من دوائر داخلية وخارجية للاستمرار في نهج التصعيد، الأمر الذي يضعه في معادلة معقدة بين الإصرار على القوة وبين واقع العزلة الدولية المتنامية.

ومع تصاعد هذه المؤشرات، تبرز دعوات داخل الأوساط السياسية والقانونية في الولايات المتحدة لإعادة النظر في مدى أهلية الرئيس لممارسة الصلاحيات الواسعة الممنوحة له، خاصة في ظل النظام الدستوري الذي يتيح آليات لمساءلة الرئيس أو تقييد صلاحياته في حال ثبوت عجزه عن أداء مهامه. فالدستور الأمريكي لم يترك السلطة التنفيذية دون ضوابط، بل وضع مسارات واضحة يمكن من خلالها حماية الدولة من أي انحراف محتمل.

إن طرح مسألة سحب أو تقييد صلاحيات الرئيس لم يعد مجرد نقاش نظري، بل أصبح جزءاً من جدل سياسي وقانوني أوسع يتعلق بحماية النظام الديمقراطي ومنع انزلاقه نحو حكم فردي غير متوازن، خصوصاً إذا ما ارتبط ذلك بمؤشرات على اضطراب في اتخاذ القرار أو اندفاع غير محسوب في السياسات.

إن ما يثير القلق الحقيقي هو محاولة توظيف الأزمات لإعادة تشكيل موازين السلطة داخل الولايات المتحدة، عبر تقويض دور المؤسسات، وتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية بشكل يتعارض مع روح الدستور الأمريكي. فمثل هذه التحركات، إن استمرت، قد تفتح الباب أمام أزمة دستورية عميقة تهدد استقرار النظام السياسي الأمريكي برمته.

وفي الخاتمة، فإن ما تواجهه الولايات المتحدة اليوم ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل اختبار حقيقي لقدرة مؤسساتها على الصمود أمام محاولات إعادة تشكيلها وفق نزعات فردية. إن استمرار هذا النهج قد يقود إلى مزيد من العزلة الدولية والتصدع الداخلي، ما لم تتحرك المؤسسات الدستورية بحزم لإعادة التوازن ووضع حد لأي انحراف في استخدام السلطة. فالديمقراطيات لا تسقط فجأة، بل تتآكل تدريجياً حين يُسمح بتغليب الشخص على الدولة، والقرار الفردي على حكم المؤسسات، وهو ما يجعل المرحلة الراهنة مفصلية في تحديد مستقبل النظام الاميركي ومكانته في العالم .

  • – أحمد سليمان – حركة فتح السويد

شاهد أيضاً

"فتح" بغزة تنظّم وقفة حاشدة أمام الصليب الأحمر رفضًا لقانون إعدام الأسرى

“فتح” بغزة تنظّم وقفة حاشدة أمام الصليب الأحمر رفضًا لقانون إعدام الأسرى

شفا – نظّمت حركة “فتح” في إقليمي شرق وغرب غزة، اليوم السبت، وقفة جماهيرية حاشدة …