
حامد إبراهيم فودة “أبو الأمير… لم يقتله المرض وحده، بل قتله الغياب القاتل للدواء في زمن الحرب” بقلم: سامي إبراهيم فودة
لم يكن حامد إبراهيم فودة مجرّد مريضٍ أنهكه الجسد، بل كان إنسانًا يُصارع الحياة بما تبقّى له من قوة، في زمنٍ يُحاصَر فيه الألم ولا يُداوى. في غزة، حيث يصبح الدواء حلمًا، والعلاج أمنية، لا يموت المرضى فقط بأمراضهم… بل يموتون لأن يد العناية لا تصل، ولأن الحياة نفسها تُترك وحيدة في مواجهة الموت.
في ذلك المكان الضيق، داخل مدرسة صلاح الدين الأيوبي، حيث النزوح أقسى من الغربة، كان أبو الأمير يجلس على كرسيه المتحرك، تحيط به عائلته، ويُحيط بهم الخوف… خوفٌ من القادم، وخوفٌ من وجعٍ يعرفون أنه بلا دواء. لم يكن يعلم أن لحظته الأخيرة تقترب، لكنه شعر بها حين نادى ابنته أريج بصوتٍ موجوع:
“الحقيني يا با”…
كانت صرخة قلبٍ يودّع، لا مجرد استغاثة.
حاول ابنه البكر أمير أن يُسابق القدر، أن ينتزع أباه من بين أنياب الغياب، فأسعفه بما استطاع، واتصل بالإسعاف التي حضرت مسرعة، ليتم نقله إلى مستشفى المعمداني… لكن الطريق إلى النجاة كان مغلقًا، والوقت كان أقسى من أن يُنقذ روحًا أنهكها الوجع.
رحل حامد قبل أن يصل… وكأن غزة قالت كلمتها القاسية مرة أخرى: هنا، لا يُهزم المرض فقط… بل يُهزم الإنسان معه.
عاد جسده الطاهر إلى المدرسة التي نزح إليها حيًا، ليعود إليها محمولًا على الأكتاف، محاطًا بدموع أحبّته. هناك، ودّعته زوجته الصابرة، السيدة صباح فودة، وودّعه أبناؤه: أمير، وكريم، وبناته: مرام، أريج، وريماس… بقلوبٍ مكسورة لا تعرف كيف تفسّر الفقد.
وكان الغياب أقسى، حين لم يكن ابنه إبراهيم بينهم، إذ يقبع في سجون الاحتلال، محرومًا من احتضان أبيه في لحظاته الأخيرة، ومحرومًا حتى من وداعه… ليكتمل الوجع في قلب عائلةٍ أنهكها الفقد من كل الجهات.
شُيّع جثمانه إلى مقبرة الفالوجا، حيث اجتمع الإخوة والأخوات، والأقارب، وكل من عرف حامد الإنسان قبل الاسم… ليودّعوا رجلًا لم يكن يومًا عبئًا على أحد، بل كان سندًا طيبًا، خفيف الظل، قريب القلب.
حامد، المولود في التاسع عشر من يناير عام 1968، لم يعرف طريق الرفاهية يومًا، بل عاش عمره كادحًا، يعمل في مهنة التبليط، ويتنقّل بين المهن بحثًا عن لقمة كريمة لعائلته. لم يكن يحمل همّ الدنيا لنفسه، بل كان يحملها لأجل من يحب.
كان طيبًا بطبعه، حنونًا في قلبه، بسيطًا في حياته، لا يعرف القسوة، ولا يُجيد الخصام. علاقاته كانت طيبة مع الجميع: مع أهله، إخوته وأخواته، أقاربه، أنسبائه، وكل من مرّ في حياته… رجلٌ إذا حضر ساد الهدوء، وإذا غاب شعر الجميع أن شيئًا جميلًا قد انكسر.
لم يكن رحيله وليد لحظة، بل كان نتيجة سنوات من المعاناة… فقد تعرّض لأكثر من جلطة قلبية، ونجا منها بإرادة الله، لكنه قبل وفاته أُصيب بجلطة دماغية تسببت له بشللٍ نصفي، ليكمل حياته بصبرٍ وصمت. لكن ما لم يستطع احتماله، هو غياب الرعاية الصحية، وانعدام الدواء في زمن الحرب… فكان الرحيل خاتمة وجعٍ طويل.
في ختام يطور مقالي:
رحلت يا أخي حامد… لكنك لم ترحل من قلوبنا. تركت فينا وجعًا لا يُنسى، وذكرى لا تموت، واسمًا سيبقى يُروى بكل حب. سنذكرك كما كنت… طيبًا، بسيطًا، نقيّ القلب، لا تحمل في صدرك إلا الخير.
نم قرير العين يا أبا الأمير… فقد أتعبك هذا العالم كثيرًا، ولعلّ الله أعدّ لك من الرحمة ما يليق بقلبك، ومن العدل ما افتقدته في حياتك.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .