8:02 مساءً / 15 مارس، 2026
آخر الاخبار

رحيل الرجال لا يمرّ عابراً… المقدم المتقاعد وليد صبيح… سيرة وفاء من مخيم جباليا إلى ذاكرة الوطن ، بقلم: سامي إبراهيم فودة

رحيل الرجال لا يمرّ عابراً… المقدم المتقاعد وليد صبيح… سيرة وفاء من مخيم جباليا إلى ذاكرة الوطن ، بقلم: سامي إبراهيم فودة


حين يرحل الرجال الذين عاشوا للوطن لا لأنفسهم، فإن الرحيل لا يكون مجرد خبرٍ عابرٍ في نشرات الموت، بل صفحةً من تاريخٍ إنسانيٍ ووطنيٍ تُطوى، ويبقى أثرها محفوراً في ذاكرة الناس. هكذا كان رحيل المقدم المتقاعد وليد أحمد محمود صبيح “أبو العبد”، الذي غادر الدنيا جسداً، لكنه ترك خلفه سيرة رجلٍ عرفته ميادين النضال والعمل الوطني، وعرفته قلوب الناس بدماثة الخلق ونبل الروح.


ولد المناضل وليد أحمد محمود صبيح في مخيم جباليا للاجئين بتاريخ 2 سبتمبر عام 1970م، ذلك المخيم الذي لم يكن مجرد مكان للسكن، بل مدرسة وطنية خرجت أجيالاً من المناضلين الذين حملوا الوجع الفلسطيني والأمل بالعودة. تعود جذور عائلته إلى بلدة بيت دراس قضاء غزة، تلك البلدة التي اقتلعت منها عائلته كما اقتلعت آلاف العائلات الفلسطينية إثر نكبة عام 1948، لتبدأ رحلة اللجوء القاسية التي لم تكسر إرادة الانتماء ولا حلم العودة.


نشأ وليد في أزقة المخيم، وتلقى تعليمه في مدارس وكالة الغوث “الأونروا”، حيث أنهى مرحلتيه الأساسية والإعدادية، ثم حصل على شهادة الثانوية العامة من مدرسة الفالوجا الثانوية للبنين. كان منذ شبابه قريباً من هموم الناس، ومنخرطاً في العمل الطلابي والوطني، الأمر الذي قاده لاحقاً إلى النشاط في صفوف الشبيبة الفتحاوية أثناء دراسته الجامعية، حيث حصل على بكالوريوس في الخدمة الاجتماعية، ليجمع بين العلم وروح العمل المجتمعي.


لم تكن حياته سهلة؛ فقد تعرض للاعتقال عدة مرات على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، شأنه شأن كثير من أبناء جيله الذين دفعوا ثمن انتمائهم الوطني مبكراً. لكن هذه التجارب زادته صلابةً وإيماناً بقضيته، فظل ثابتاً على درب النضال.
ومع عودة قوات الأمن الوطني الفلسطيني إلى أرض الوطن عام 1994 وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، كان وليد صبيح من أوائل الذين التحقوا بخدمة شعبهم من خلال جهاز الشرطة الفلسطينية في غزة بتاريخ 10/7/1994، حيث خضع لدورة عسكرية مؤهلة، وبدأ مسيرة طويلة في العمل الأمني والوطني. خدم في العديد من إدارات الشرطة، وكان مثالاً للضابط الملتزم الذي يجمع بين الانضباط العسكري وروح الإنسان القريب من الناس.


لم يتوقف عطاؤه عند حدود العمل الوظيفي؛ فقد ظل فاعلاً في الإطار التنظيمي لحركة فتح، حيث تم فرزه للعمل في اللجنة الحركية العليا في غزة، وتدرج في مواقع التنظيم في شمال القطاع حتى أصبح عضواً في قيادة إقليم شمال غزة. وقد انتخب في التنظيم لعدة سنوات، ثم ترشح لقيادة الإقليم وانتخب عضواً فيها حتى وفاته.


كما كان عضواً في المؤتمر العام السابع لحركة فتح الذي عقد في مدينة رام الله عام 2016، وكان من الوجوه التنظيمية المعروفة في شمال غزة، خصوصاً خلال السنوات الصعبة التي مرت بها الحركة في أعقاب الانقسام الفلسطيني، حيث عرف بثباته وانتمائه الواضح للحركة ولمشروعها الوطني.


شارك الراحل في العديد من اللجان العامة للمهرجانات المركزية للحركة، وكان حضوره دائماً لافتاً بين رفاقه، لا بالصخب أو الادعاء، بل بالهدوء والعمل الصادق. كان واحداً من أولئك الرجال الذين يفضلون الفعل على الكلام، والعمل على الظهور.


عرفناه في مخيم جباليا – الفالوجا إنساناً أصيلاً، طيب القلب، دمث الأخلاق، نقياً في سريرته، صادقاً في علاقاته، ومخلصاً في انتمائه الوطني. كان قريباً من الناس، متسامحاً بطبعه، يحمل في قلبه محبة للجميع، ولهذا أحبه الجميع.
وفي الأول من أكتوبر عام 2017، أحيل إلى التقاعد برتبة مقدم، بعد سنوات طويلة من الخدمة في جهاز الشرطة الفلسطينية، لكنه بقي حاضراً في الحياة الاجتماعية والتنظيمية، محافظاً على علاقاته الواسعة بين أبناء المخيم ورفاق الدرب.


كان الفقيد متزوجاً وأباً لستة من الأبناء؛ ثلاثة أولاد وثلاث بنات، عاش بينهم أباً حنوناً وسنداً كريماً، كما كان بين أصدقائه ورفاقه أخاً وصديقاً وفياً.


وفي الأيام الأخيرة من حياته، ألمّت به وعكة صحية شديدة إثر تعرضه لنوبة قلبية حادة، أدخل على إثرها العناية المركزة في غزة. لكن الظروف الصحية الصعبة التي تعيشها غزة في ظل الحرب ونقص الإمكانيات الطبية حالت دون توفير العلاج المناسب له، ما اضطر عائلته إلى نقله للعلاج في مصر.


وبعد جهود كبيرة، تمكن من السفر حيث أدخل مستشفى بنها بمحافظة الدقهلية، لكن القدر كان أسرع من كل المحاولات، فلم تمض أيام قليلة على دخوله المستشفى حتى جاء الخبر الحزين الذي ألمّ بقلوب أهله وأصدقائه ورفاقه.
في يوم الخميس الموافق 13 مارس 2025، انتقل المقدم المتقاعد وليد أحمد محمود صبيح “أبو العبد” إلى رحمة الله تعالى، حيث صلي على جثمانه الطاهر وشيّع إلى مثواه الأخير، مودعاً حياةً مليئة بالعطاء والعمل.


لقد كان رحيله خسارة لأسرته وأصدقائه، ولرفاقه في الحركة، ولكل من عرفه عن قرب. لكنه ترك سيرة رجلٍ عاش بسيطاً وصادقاً، ولم يبدل انتماءه ولا مواقفه.


رحل أبو العبد في أيام شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والمغفرة، نسأل الله أن يجعله من عتقائه، وأن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته.


رحم الله المقدم المتقاعد وليد أحمد محمود صبيح، وجعل ذكراه الطيبة باقية في قلوب من عرفوه… فالرجال الصادقون لا يموتون، بل يتركون خلفهم سيرةً تُروى، وأثراً يبقى.

شاهد أيضاً

وفد من جبهة النضال الشعبي الفلسطيني في طولكرم يزور هيئة شؤون الأسرى ويهنئ مديرها الجديد

وفد من جبهة النضال الشعبي الفلسطيني في طولكرم يزور هيئة شؤون الأسرى ويهنئ مديرها الجديد

شفا – قام وفد من جبهة النضال الشعبي الفلسطيني في محافظة طولكرم بزيارة إلى مكتب …