
بكلمة واحدة ، الى أين نسير ؟ بقلم : د. مروان إميل طوباسي
إعلان حكومة الأحتلال الإسرائيلية المضي في مشروعها الإستعماري بالحسم المبكر وضم أجزاء من الضفة الغربية وتشكيل اللجان الادارية الشكلية التابعة لما سًمي “مجلس السلام” الجاري بقطاع غزة ، وبمصادرة حقوق وسلطات البلديات ليس مجرد تصريح واجراء سياسي عابر ، بل خطوة استراتيجية تستهدف جوهر المشروع الوطني التحرري الفلسطيني .
الضم يعني إعادة تعريف الأرض ووظيفة السلطة الوطنية والتمثيل السياسي الشرعي لشعبنا في دور المنظمة المفترض كقائد لمرحلة التحرر والوطني وكجبهة وطنية عريضة ، ويفتح الباب أمام واقع إداري وأمني قد يُحوّل ما تبقى من صلاحيات وطنية إلى إطار خدماتي منزوع السيادة الوطنية .
الشارع الفلسطيني يعيش حالة قلق حقيقي ، فالتحليلات تتكاثر ، الشائعات تنتشر بما في ذلك حول قضايا داخلية تتمثل بالفساد والأفلاس المالي ، والأسئلة تتراكم امام توحش اجراءات الأحتلال بما في ذلك من مشروع قانون إعدام الأسرى وسقوط السيادة حتى على المناطق المصنفة “أ” . لكن في مقابل هذا كله ، لا يزال الخطاب الرسمي يكتفي ببيانات التنديد والإدانة ، فمهما كانت لغتها قوية وفي بعضها الآخر غائبة ، فهي لا تُشكّل خطة صمود ومواجهة .
السؤال اليوم لا يجب ان يكون في ، هل نرفض الضم ؟ فهذا محسوم وطنياً . السؤال يجب أن يكون : ماذا سنفعل والأحتلال ماضٍ في فرضه بفعل الوقائع على الأرض ؟
كيف سنتعامل مع واقع قانوني جديد قد يطال الهوية والأراضي والممتلكات والحدود الإدارية المفترضة بحكم اتفاقيات قد قضى الأحتلال عليها وأسقطها أصلاً منذ زمن أمام مرأى ومسمع المجتمع الدولي الذي جانب البيانات دون اجراءات تجعل الأحتلال مكلفاً ؟
ما هي الإستراتيجية السياسية؟
ما هو المسار القانوني الدولي ومستقبل قرارات المحاكم الدولية ؟
ما هي طبيعة المقاومة الشعبية ؟
ما هي خيارات إعادة تعريف العلاقة مع الأحتلال؟
وكيف ستُحمى البنية الوطنية من الانزلاق إلى نموذج “إدارة سكان” تحت السيطرة الإسرائيلية ؟
الخطر لا يكمن فقط في الضم ذاته الذي يجري بصمت بما أنهى “مبدأ حل الدولتين” أصلاً منذ زمن طويل ، بل في احتمال تحوّل مؤسساتنا تدريجيا إلى أدوات وظيفية ضمن معادلة يفرضها الأحتلال . وهنا يصبح الصمت أو الغموض مكلفاً وطنياً ، لأنه يفتح المجال أمام فقدان الثقة الشعبية ، ويغذي الإحباط ، ويُضعف الجبهة الداخلية في لحظة يفترض أن تكون لحظة تعبئة وطنية إستراتيجية .
المشروع الوطني التحرري لم يُبنى على ردّ الفعل ، بل على الرؤية منذ انطلاقة الثورة وتأسيس منظمة التحرير . وإذا كان الأحتلال يسعى إلى فرض وقائع دائمة ، فإن أقل ما تحتاجه المرحلة هو وضوح في المقابل الفلسطيني يتمثل في رؤية معلنة وبرنامج وأدوات ، سيناريوهات مدروسة وخيارات سياسية عقلانية جريئة ، دون أن تختبئ خلف شعارات “الواقعية السياسية” المُفرغة من المضمون .
إن أخطر ما يمكن أن نصل إليه ليس ضم الأرض فقط ، بل ضم الوعي إلى حالة يصبح فيها اعتيادياً ، يكون فيها التغيير التدريجي الإستعماري واقعاً مقبولاً بفعل غياب الرؤية والمواجهة المنظمة واشكال الوحدة ، وبقبول فرض إملاءات تتعلق بالأسرى وعائلات الشهداء والمناهج وما سيتبع لاحقا ربما من رفع العَلم والنشييد الوطني وصوت الآذان وأجراس الكنائس .
في المقابل ، ننشغل في سجالات انتخابات المجالس المحلية ، تشكيل القوائم التي تغولت بها حسابات العشائر والعائلات ، وكأن ما يجري في الإطار الوطني الأكبر مؤجل أو قابل للأحتواء . لا أحد يقلل من أهمية الانتخابات وحقوق المواطن الديمقراطية ، لكن ترتيب الأولويات في لحظة مفصلية يصبح مسألة وعي وطني ومسؤولية مجتمعية .
شعبنا لا يطلب خطاباً تعبوياً ، بل خطة مسؤولة ، ولا يريد تصعيدا لفظياً ، بل خطاباً صريحاً ووضوحاً سياسياً يوضح الى أين نسير .
فالمصارحة اليوم ليست خياراً ، بل شرطا لحماية ما تبقى من المشروع الوطني التحرري قبل أن يتآكل بالصمت وبفعل قانون الإزاحة الفيزيائي .
- – د. مروان إميل طوباسي – عضو المجلس الأستشاري لحركة “فتح” .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .