3:25 مساءً / 10 فبراير، 2026
آخر الاخبار

مسودة الدستور الفلسطيني ، قراءة قانونية–سياسية في بنية النظام وضمانات الدولة الدستورية ، بقلم : د. عبد الرحيم جاموس

مسودة الدستور الفلسطيني ، قراءة قانونية–سياسية في بنية النظام وضمانات الدولة الدستورية ، بقلم : د. عبد الرحيم جاموس


تأتي مسودة الدستور الفلسطيني في لحظة سياسية وقانونية مفصلية، تتقاطع فيها أسئلة الشرعية الدستورية مع استحقاقات بناء الدولة، وإدارة الانقسام، والتحول من نظام مؤقت قائم على ترتيبات انتقالية إلى نظام دستوري دائم. ومن هذا المنظور، لا تقتصر أهمية هذه المسودة على بنيتها القانونية المجردة، بل تمتد إلى مآلاتها السياسية والمؤسسية، وقدرتها على إنتاج نظام حكم متوازن، خاضع للمساءلة، ومحكوم بسيادة القانون.


تتوزع المسودة على أبواب رئيسية يتجاوز عدد موادها نحو مئة وأربعين مادة، تشمل: الأحكام العامة، والحقوق والحريات، والسلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية والمحكمة الدستورية، والحكم المحلي، والمؤسسات الدستورية المستقلة، بما يعكس طموحًا لتأسيس إطار دستوري شامل لدولة فلسطينية حديثة.


أولًا: طبيعة النظام السياسي


تشير النصوص التأسيسية إلى أن الدستور يؤسس لنظام ديمقراطي نيابي تعددي، يقوم على الانتخابات، والتداول السلمي للسلطة، والتعددية السياسية. غير أن توزيع الصلاحيات بين رئيس الدولة، والحكومة، والمجلس التشريعي، يكشف اعتماد نموذج مختلط (شبه برلماني)، يجمع بين عناصر رئاسية وأخرى برلمانية.


وهذا الاختيار، من حيث المبدأ، قابل للحياة والاستقرار، لكنه يظل مشروطًا بدقة الصياغة وحدود التفويض، إذ إن أي غموض في توصيف الصلاحيات قد يفتح الباب أمام مآلات تداخل تُضعف مبدأ الفصل بين السلطات، وتؤثر سلبًا في انتظام العمل المؤسسي.


ثانيًا: مبدأ فصل السلطات والتوازن المؤسسي


يكرّس الدستور مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويمنع الجمع بين المناصب، ويؤكد استقلال كل سلطة في ممارسة اختصاصاتها، وهي مقاربة تنسجم مع المبادئ الدستورية الحديثة.


غير أن الفصل الشكلي لا يكفي بذاته ما لم يُدعّم بضوابط إجرائية واضحة، لا سيما في حالات الأزمات أو الطوارئ، حيث تميل السلطة التنفيذية، تاريخيًا، إلى التوسع على حساب السلطتين التشريعية والقضائية. ومن هنا، تبرز أهمية تحصين النصوص من التأويل الواسع، وضمان بقاء التوازن المؤسسي قاعدةً مستقرة، لا استثناءً ظرفيًا.


ثالثًا: السلطة التنفيذية وصلاحيات الرئيس والحكومة


تنص المسودة على أن الحكومة هي الهيئة التنفيذية العليا، والمسؤولة عن إدارة الشأن العام، والخاضعة للمساءلة البرلمانية. وفي المقابل، يتمتع رئيس الدولة بصلاحيات سيادية ودستورية، تشمل التمثيل الخارجي وبعض التعيينات العليا.


إلا أن النص لا يرسم دائمًا حدودًا فاصلة بدقة بين ما هو سيادي وما هو تنفيذي، الأمر الذي قد يفضي، في التطبيق العملي، إلى اتساع غير منضبط في الصلاحيات الرئاسية، خصوصًا في ظل هشاشة التوازنات السياسية أو ضعف الرقابة البرلمانية. وهو ما يستدعي مزيدًا من الضبط النصي، صونًا لمبدأ المسؤولية السياسية للحكومة.


رابعًا: حلّ البرلمان وإدارة الأزمات الدستورية


وفي إطار تنظيم العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، تمنح مسودة الدستور رئيس الدولة صلاحية حلّ المجلس التشريعي والدعوة إلى انتخابات مبكرة، ضمن شروط إجرائية محددة، تشمل التشاور مع رئيس الحكومة ورئيس المجلس، ووجوب تسبيب القرار والإعلان عنه، والالتزام بسقف زمني لإجراء الانتخابات، مع حظر تكرار الحل للأسباب ذاتها.


ومن حيث المبدأ، تندرج هذه الصلاحية ضمن الأدوات الدستورية المعروفة في النظم المختلطة لإدارة الأزمات السياسية، ولا تُعد خروجًا عن التجارب الدستورية المقارنة. غير أن حساسيتها في السياق الفلسطيني تكمن في اتساع هامش التقدير، وفي غياب معيار موضوعي دقيق يحدّد حدود الضرورة الدستورية، الأمر الذي يستدعي تحصين النص بضوابط أوضح، تضمن بقاء حلّ البرلمان إجراءً استثنائيًا، لا أداة ضغط على السلطة التشريعية أو التفافًا على التوازن الديمقراطي.


خامسًا: الفراغ الدستوري وشغور منصب الرئيس


تُعد مسألة شغور منصب رئيس الدولة من أكثر القضايا حساسية في أي نظام دستوري. ورغم أن المسودة تناولت هذه الحالة، إلا أن التنظيم الوارد لا يزال عامًا، ولا يرقى إلى مستوى المخاطر السياسية والقانونية التي قد تترتب على الفراغ الدستوري.


فغياب تحديد دقيق للجهة التي تتولى مهام الرئاسة مؤقتًا، أو سقف زمني صارم لإجراء الانتخابات، قد يفتح المجال أمام إطالة المرحلة الانتقالية، بما يتعارض مع جوهر الشرعية الدستورية، ويُبقي النظام السياسي في دائرة اللااستقرار.


سادسًا: السلطة التشريعية ودورها الرقابي


يمنح الدستور المجلس التشريعي صلاحيات واسعة في التشريع والرقابة والمساءلة، ويُشركه في عدد من التعيينات الدستورية، وهو ما يعزز الطابع النيابي للنظام السياسي.


غير أن فعالية هذه الصلاحيات تبقى رهينة الحدّ من التوسع في التشريع الاستثنائي، وضمان عدم تجاوز البرلمان عبر أدوات تنفيذية طارئة، فضلًا عن إخضاع القوانين، ولا سيما الاستثنائية منها، لرقابة دستورية فعالة.


سابعًا: القضاء والمحكمة الدستورية


يولي الدستور أهمية خاصة لاستقلال القضاء، ويكفل ضمانات المحاكمة العادلة، ويحظر التدخل في شؤون العدالة. كما ينشئ محكمة دستورية تُناط بها مهمة الرقابة على دستورية القوانين، وتفسير النصوص الدستورية، وحسم النزاعات بين السلطات.


غير أن الدور المحوري للمحكمة الدستورية يجعل من مسألة تشكيلها وضمان استقلالها مسألة جوهرية، إذ إن أي إخلال بحيادها أو إخضاعها للتوازنات السياسية من شأنه أن يُفرغ الرقابة الدستورية من مضمونها، ويُضعف حماية الدستور ذاته.


ثامنًا: الحقوق والحريات العامة


يتسم باب الحقوق والحريات في المسودة بتقدم ملحوظ، إذ يكفل الحريات الأساسية، ويحظر التعذيب، ويضمن حرية الرأي والتعبير والتنظيم، ويقرّ ضمانات التقاضي.


غير أن الإحالة المتكررة إلى “القانون” في تنظيم هذه الحقوق تستوجب حذرًا تشريعيًا، حتى لا تتحول القوانين العادية إلى أداة لتقييد ما يفترض أن يكون محميًا دستوريًا، بما يتعارض مع مبدأ سمو الدستور.


خاتمة


في المحصلة، تمثل مسودة الدستور الفلسطيني خطوة متقدمة على طريق بناء دولة القانون والمؤسسات، وتحمل رؤية واضحة لنظام ديمقراطي دستوري. غير أن نجاحها لا يتوقف على سلامة المبادئ المعلنة فحسب، بل على دقة الصياغة، وتحجيم الاستثناء، وتحويل النص الدستوري إلى ضمانة فعلية في مواجهة السلطة.


فالدساتير لا تُختبر في لحظات الوفاق، بل في أوقات الأزمات؛ وهناك تحديدًا تتجلى قيمتها الحقيقية.


د. عبدالرحيم جاموس
الرياض

شاهد أيضاً

حين تبلغ الحقيقة تمام البدر ، “ البروفيسور وليد العريض ” يكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “

حين تبلغ الحقيقة تمام البدر ، “ البروفيسور وليد العريض ” يكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “

حين تبلغ الحقيقة تمام البدر ، “ البروفيسور وليد العريض ” يكتب في الذكرى الـ14 …