10:06 مساءً / 31 يناير، 2026
آخر الاخبار

هل إيران اليوم في موقع أقوى؟ قراءة في موازين القوة واحتمالات التصعيد أو الصفقة ، بقلم : علاء عاشور

هل إيران اليوم في موقع أقوى؟ قراءة في موازين القوة واحتمالات التصعيد أو الصفقة ، بقلم : علاء عاشور

يثير المشهد الإقليمي الراهن، في ظلّ تكدّس المنطقة بالبارجات الأمريكية والمدمّرات وحاملات الطائرات، تساؤلات عميقة حول نوايا واشنطن الحقيقية، ومحاولاتها المتكررة لإسقاط النظام الإيراني. تأتي هذه التحرّكات بعد حالة من النشوة السياسية في الولايات المتحدة، قادها دونالد ترامب، عقب تنفيذ ضربة خاطفة في فنزويلا انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته، إلى جانب الضربة السابقة التي استهدفت المفاعلات النووية الإيرانية. كل ذلك أسهم في فتح شهية ترامب لممارسة سياسة الإملاء والبلطجة السياسية، بوصفها أداة لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية بالقوة الخشنة.


غير أن الواقع العسكري والسياسي في إيران اليوم قد يكون مختلفًا عمّا تراهن عليه واشنطن، رغم موجات الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، وحالة عدم اليقين التي تتسلل إلى بنية النظام الثيوقراطي الحاكم منذ ما يقارب خمسة عقود بقبضة من حديد. فالمقارنة بين وضع إيران الحالي وما كانت عليه خلال حرب الأيام الاثني عشر الماضية تفتح الباب أمام قراءة مغايرة لموازين القوة، لا سيما في ظل الحديث المتزايد عن تحولات عسكرية وسياسية تجري خلف الكواليس.


تشير العديد من المؤشرات والتقارير إلى أن إيران لم تخرج من تلك المواجهة في حالة إنهاك كامل، بل ربما أعادت ترتيب أوراقها بسرعة لافتة. فالحديث عن تزويد روسي وصيني بمعدات عسكرية متقدمة، دفاعية كانت أم هجومية، يعزّز فرضية أن ميزان المعركة لم يعد يُقاس فقط بما تملكه الولايات المتحدة من تفوق جوي وتقني، بل بقدرة الخصوم على امتصاص الضربات، وتطوير أدوات ردع غير تقليدية، وتوسيع هوامش المناورة الاستراتيجية.


في هذا السياق، يبرز سؤال بالغ الحساسية: هل تمتلك إيران اليوم القدرة الفعلية على توجيه ضربات موجعة للأسطول الأمريكي والقواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة، فضلًا عن استهداف إسرائيل، وتحديدًا تل أبيب؟


الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلّق فقط بعدد الصواريخ أو دقتها، بل بطبيعة العقيدة العسكرية الإيرانية، القائمة على مبدأ «الرد المتراكم»، واستنزاف الخصم، وتوزيع مراكز القوة بدل تركيزها في نقطة واحدة قابلة للكسر.


فالضربات الجوية الأمريكية، مهما بلغت شدتها، لا تؤدي بالضرورة إلى إسقاط النظام الإيراني. إذ يقوم هذا النظام على أيديولوجية دينية متشددة، تمتلك بنية مؤسساتية وأمنية عميقة، ويستند إلى قوتين محوريتين: الحرس الثوري وقوات الباسيج. وهاتان القوتان لا تمثلان مجرد أذرع عسكرية، بل تشكّلان خزانًا بشريًا هائلًا، وأداة ضبط داخلي، وشبكة نفوذ متداخلة في الاقتصاد والسياسة والمجتمع.


إضافة إلى ذلك، فإن المساحة الجغرافية الشاسعة لإيران، وعمق انتشار منصات الصواريخ الاستراتيجية، يجعلان من فكرة الحسم العسكري الأمريكي السريع رهانًا خاسرًا أو بالغ الكلفة. وحتى السيناريو الأكثر تطرفًا، والمتمثل في تنفيذ «عملية جراحية» تستهدف المرشد الإيراني علي خامنئي، لا يبدو مضمون النتائج. فاغتيال رأس الهرم لا يعني بالضرورة انهيار النظام؛ إذ إن الدائرة الضيقة المحيطة بالمرشد، والمؤسسات العقائدية والأمنية، قادرة على ملء الفراغ بسرعة، بل وتحويل الحدث إلى وقود تعبوي يعزّز تماسك الداخل الإيراني بدل تفككه.


وفوق ذلك، فإن أي خطوة من هذا النوع ستُقابل برد عنيف، مباشر أو غير مباشر، وستفرض تكلفة سياسية وعسكرية باهظة على واشنطن. وهنا يدخل العامل الأمريكي الداخلي بقوة في المعادلة. فدونالد ترامب، وهو يقترب من استحقاقات انتخابية مهمة في الكونغرس، لا يملك ترف الانزلاق إلى حرب طويلة أو مواجهة مفتوحة من شأنها رفع أسعار الطاقة، وتغذية التضخم، واستنزاف صورة «الرئيس القوي» أمام الناخب الأمريكي. فأي تصعيد كبير سيُترجم سريعًا إلى أرقام قاسية في فواتير الوقود والغذاء، وهو ما يشكّل كابوسًا لأي إدارة أمريكية.


ويزداد هذا الكابوس وضوحًا إذا ما أُخذت في الاعتبار ورقة مضيق هرمز. فإقدام إيران على إغلاق المضيق، ولو جزئيًا، سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة عالميًا، ما سينعكس تضخمًا اقتصاديًا واسع النطاق، ولن تكون الولايات المتحدة بمنأى عن تداعياته، بل ستكون في قلبه. عند هذه النقطة، لن يعود الصراع عسكريًا فحسب، بل اقتصاديًا واجتماعيًا، تتشابك فيه الأسواق مع المزاج الشعبي والضغوط السياسية الدولية.


من هنا، يبدو أن ترامب قد يكون «صعد الشجرة» إلى حد يصعب معه النزول دون مخرج سياسي. وهذا المخرج قد لا يكون سوى صفقة ما، تُصاغ عبر قنوات اتصال غير مباشرة، تتيح لكل طرف إعلان النصر أمام جمهوره، دون الذهاب إلى حافة الهاوية. أما البديل، فهو تصعيد خطير قد يخرج عن السيطرة، ويعيد رسم خريطة المنطقة على إيقاع النار والاقتصاد المنهار.


في المحصلة، نحن أمام مفترق طرق حاسم: إما تسوية مؤلمة لكنها محسوبة، أو انزلاق نحو مواجهة مفتوحة يدفع ثمنها الجميع. وإيران، خلافًا لكثير من التقديرات المتعجلة، لا تبدو الطرف الأضعف في هذه المعادلة، بل لاعبًا يدرك جيدًا كيف يراهن على الزمن، والكلفة، وتشابك المصالح الدولية.

شاهد أيضاً

مجموعة الصين للإعلام تنهي تجربة الأداء الثالثة لسهرة عيد الربيع للعام الجاري

مجموعة الصين للإعلام تنهي تجربة الأداء الثالثة لسهرة عيد الربيع للعام الجاري

شفا – أقيمت تجربة الأداء الثالثة لسهرة عيد الربيع للعام الجاري، التي تعدها مجموعة الصين …