
من البيت الحجري إلى المجاز : وجع الحنين ، حين يتحوّل التراث إلى خطاب مقاومة في شعر يوسف أبو ريدة ، بقلم: د. منى ابو حمدية
في السياق الفلسطيني، لا يُستدعى التراث بوصفه ذاكرة ساكنة، ولا يُقرأ الشعر كترف جمالي معزول، بل يغدو كلاهما فعلَ بقاءٍ ومواجهة. من هنا، تتبدّى تجربة الشاعر يوسف أحمد أبو ريدة، ولا سيما في ديوانه وجع الحنين (2015)، بوصفها اشتباكًا عميقًا بين الشعر والهوية، بين التراث والمقاومة، وبين البيت المهدّم واللغة التي تصرّ على إعادة بنائه.
ينطلق هذا المقال من عنوان البحث المقدم في المؤتمر الوطني الأول للأدب الفلسطيني:
«من البيت الحجري إلى المجاز: تحوّلات التراث المادي والمعنوي في شعر يوسف أبو ريدة»، ليفتح أفقًا نقديًا يرى في التراث بنية فاعلة، لا زخرفة نوستالجية، وفي القصيدة بيتًا رمزيًا بديلًا عن البيت المسلوب.
التراث المادي: المكان بوصفه ذاكرة حية
في وجع الحنين، لا يظهر المكان كخلفية صامتة، بل ككائن ثقافي نابض. القرية، البيت، العريش، القهوة، تفاصيل العيش اليومي—كلها تتحول إلى شواهد وجود في مواجهة محاولات المحو. المكان هنا ليس جغرافيا فحسب، بل وعيًا، كما لو أن الشاعر يكتب ليؤكّد: نحن هنا، حتى وإن صودرت الأرض.
فالبيت الحجري، بما يحمله من دلالات الاستقرار والامتداد العائلي، لا يُستعاد بوصفه أطلالًا، بل يتحوّل إلى مجاز شعري يقاوم النسيان. وهكذا يغدو الحجر لغة، وتغدو القصيدة معمارًا رمزيًا يحفظ الذاكرة الوطنية.
القدس والمقدّس: العمارة حين تصير هوية
في استدعاء القدس ومكة، لا يكتفي أبو ريدة بالبعد الديني، بل يؤسس لمرجعية ثقافية عميقة، حيث يتداخل المقدّس بالمكاني، والديني بالوطني. فالمكان المقدّس في شعره ليس رمزًا غيبيًا، بل نقطة تثبيت للهوية في زمن التهديد، ودرعًا رمزيًا يحمي الوعي الجمعي من التفكك.
التراث المعنوي: القيم بوصفها مقاومة
إذا كان التراث المادي يحمي الذاكرة المكانية، فإن التراث المعنوي في وجع الحنين يحمي الذاكرة الأخلاقية. الدين، الشهادة، الأخلاق، صورة الأمة—كلها تُعاد صياغتها خارج الخطاب الشعاراتي، لتغدو ضميرًا إنسانيًا ناقدًا.
فالشهيد في شعر أبو ريدة ليس أيقونة خطابية، بل إنسان ذو سيرة أخلاقية، والحنين ليس بكاءً على ما مضى، بل مساءلة حادّة للحاضر. هنا، يتحول الشعر إلى مساحة أخلاقية ترفض تبرير العنف، وتعيد ضبط البوصلة القيمية للمقاومة.
الحنين: من شعور فردي إلى وعي جمعي
الحنين في هذا الديوان ليس انكفاءً على الذات، بل طاقة نقدية. إنّه حنين يعرف ما فقده، لكنه يرفض الاستسلام لفقدانه. لذلك، يصبح الماضي معيارًا أخلاقيًا لمحاسبة الحاضر، وتتحول الذاكرة إلى أداة وعي سياسي، لا إلى ملاذ هروبي.
القصيدة بوصفها بيتًا بديلًا
حين يُهدم البيت، تبنيه اللغة. هذه هي الخلاصة العميقة لتجربة يوسف أبو ريدة. فالقصيدة في وجع الحنين ليست تسجيلًا للوجع، بل إعادة تشكيل للانتماء. إنها بيت رمزي، ومأوى ثقافي، ومساحة لإعادة بناء الذات الفلسطينية داخل الخطاب.
خاتمة: التراث ليس ماضيًا… بل مستقبل يُكتب
يبرهن ديوان وجع الحنين أن التراث، حين يدخل القصيدة، لا يبقى في الماضي، بل يتحوّل إلى مشروع ثقافي مقاوم. فشعر يوسف أبو ريدة يعيد وصل ما انقطع: بين الحجر والمجاز، بين الذاكرة والهوية، بين الألم والأمل.
وهكذا، لا نقرأ هذا الديوان بوصفه تجربة شعرية فردية فحسب، بل بوصفه وثيقة ثقافية تُثبت أن الفلسطيني، حتى وهو يُقتلع من المكان، قادر على أن يعيد بناءه في اللغة، وأن يحوّل الوجع إلى وعي، والحنين إلى فعل مقاومة.
- – الدكتورة منى ابو حمدية – أكاديمية وباحثة – فلسطين .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .