
فتح كما حلم بها الشهداء : القيم الأولى والانطلاقة ، بقلم : الصحفي سامح الجدي
(المقال التاسع والعشرون من سلسلة مقالات “أي فتح نُريد”)
مقدّمة
عندما نتحدث عن حركة فتح، لا نتحدث عن مجرد تنظيم سياسي أو قوة اجتماعية، بل عن تجربة نضالية متكاملة، بدأت في قلب المعاناة الفلسطينية، واستندت إلى قيم ومبادئ شكّلت بوصلة المشروع الوطني. فتح كما حلم بها الشهداء هي فتح الانطلاقة، فتح القيم الأولى، فتح التي وضعت الوطن فوق كل اعتبار، والحركة فوق كل مصلحة شخصية، والفكرة فوق كل اعتبار ضيق.
الشهداء الذين قدمتهم فتح لم يضحوا بحياتهم من أجل مواقع أو نفوذ، بل من أجل فلسطين، من أجل الحرية، من أجل شعبهم. ومن هنا يطرح السؤال: هل ما زالت فتح اليوم تعيش هذه القيم، أم انحرفت عن الطريق الذي رسمه الشهداء؟ هذه المقالة تحاول قراءة فتح من منظور الشهداء، وفهم القيم الأولى التي أرساها نضالهم، وكيف يمكن إعادة فتح إلى جذورها التاريخية والأخلاقية.
أولًا: الانطلاقة والروح الأولى
انطلقت فتح في سبعينيات القرن الماضي في ظل ظروف قاسية، حيث الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على الأرض والشعب، وتغيب المؤسسات الوطنية الحقيقية. وكانت الانطلاقة قائمة على فكرة واضحة: الوطن فوق كل اعتبار.
وقد تجسدت هذه الروح في مجموعة من الممارسات والسلوكيات:
• التضحية بالنفس من أجل الحرية.
• التضامن بين المناضلين والمجتمع.
• الالتزام بالمشروع الوطني لا بالمكاسب الشخصية.
• الصبر والمثابرة في مواجهة التحديات الكبرى.
هذه القيم شكلت العمود الفقري للهوية الفتحاوية، وجعلت الحركة نموذجًا في التنظيم والانضباط والتفاني.
ثانيًا: القيم الأولى في فكر الشهداء
عندما نفكر في الشهداء، نفكر في المبادئ التي دفعوا حياتهم من أجلها، وهي تشمل:
- الحرية والاستقلال
كان الشهداء يسعون إلى إقامة دولة فلسطينية حرة على كامل التراب الوطني، خالية من الاحتلال، محافظة على كرامة الإنسان وحقوقه.
- العدالة الاجتماعية
لم يكن النضال مجرد مواجهة الاحتلال، بل أيضًا بناء مجتمع عادل يضمن الكرامة والحق لكل الفلسطينيين، بعيدًا عن الاستغلال والفئوية. - المسؤولية الوطنية
الشهداء حملوا شعورًا عميقًا بالمسؤولية تجاه شعبهم، ما دفعهم إلى تجاوز المصالح الشخصية في كل قرار أو تصرف. - الوحدة والتضامن
فتح في مرحلة الانطلاقة لم تكن حركة فئوية، بل جامعة لكل الفئات، مؤمنة بأن قوة الشعب في وحدته، وأن الانقسام يضعف المشروع الوطني.
- المثابرة والانضباط
الانضباط التنظيمي كان جزءًا من القيم الأخلاقية، حيث كل مناضل كان ملتزمًا بالقوانين الداخلية، وبقرارات القيادة، وبأعلى درجات الأمانة في أداء واجبه.
هذه القيم لم تكن شعارات فارغة، بل ممارسات يومية أثبتت جدواها في بناء حركة قوية قادرة على الصمود.
ثالثًا: الفكرة قبل الشخص
فتح كما حلم بها الشهداء كانت دائمًا حركة فكرة قبل أن تكون منصبًا أو موقعًا. فالفكر الوطني كان فوق كل اعتبار، والغاية كانت فلسطين، لا السلطة أو النفوذ. هذه القاعدة الأخلاقية هي التي منحت الحركة مصداقيتها أمام الشعب، وأدت إلى استمراريتها رغم الصعاب.
أي تجاوز لهذه القاعدة يؤدي إلى تشويه جوهر فتح، وتحويلها إلى مجرد كيان إداري أو حزبي، بعيد عن روح التضحية والشجاعة التي ميّزت مرحلة الانطلاقة.
رابعًا: دور الشهداء في بناء المشروع الوطني
الشهداء لم يكونوا رمزًا للتضحية الفردية فقط، بل كانوا صانعي المشروع الوطني. فقد ساهموا في:
• تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني.
• دعم العمل الجماهيري والميداني.
• حماية القرى والمناطق المهمشة.
• نقل رسالة المقاومة إلى كل فئات الشعب.
وكل عملية تضحية من الشهداء كانت رسالة تعلم القاعدة التنظيمية والشعبية معنى الولاء، ومعنى التضحية، ومعنى التمسك بالوطن.
خامسًا: التحديات التي واجهت الانطلاقة
لم تكن الطريق سهلة، فقد واجهت فتح منذ البداية تحديات كبيرة:
• القمع الإسرائيلي الشديد، الذي استهدف المناضلين والمجتمعات الداعمة لهم.
• ضعف الموارد والإمكانات، ما تطلب التضحيات الكبرى.
• الحاجة إلى بناء تنظيم قادر على العمل في ظروف سرية وخطرة.
• التنوع الاجتماعي والجغرافي للشعب الفلسطيني، ما تطلب وحدة الرؤية والقرار.
ورغم هذه الصعوبات، استطاعت فتح أن تحافظ على قيمها الأساسية، وتثبت أن الانضباط والمبادئ يمكن أن تتغلب على الظروف الصعبة.
سادسًا: الانحراف عن القيم الأصلية… مؤشرات الخطر
مع مرور الزمن وتحول فتح من حركة مقاومة إلى جزء من السلطة الفلسطينية، بدأت بعض التحديات الجديدة بالظهور:
• التركيز على المناصب والوظائف.
• التداخل بين المصالح الشخصية والمصلحة الوطنية.
• ضعف المحاسبة الداخلية.
• تراجع بعض أشكال المشاركة الشعبية.
هذه المؤشرات تؤكد أن العودة إلى جذور فتح، وإلى القيم التي حلم بها الشهداء، أمر ضروري للحفاظ على مشروع الحركة وشرعيتها.
سابعًا: إعادة فتح إلى قيم الشهداء
لإعادة فتح إلى روح الانطلاقة، يجب التركيز على عدة محاور رئيسية:
- إحياء الانضباط التنظيمي
الالتزام باللوائح الداخلية، واحترام القرارات الجماعية، وضمان محاسبة الجميع، هي خطوة أولى لاستعادة الثقة بالقاعدة. - ترسيخ العدالة والمساواة
فتح كما حلم بها الشهداء لم تكن مكانًا للامتيازات، بل حركة قائمة على العدل بين جميع الكوادر والمناطق، دون تمييز. - إعطاء الأولوية للفكرة الوطنية
المصلحة الوطنية يجب أن تكون فوق أي اعتبار آخر، وأن تكون معيار القرار في كل مؤسسة وكل موقف. - الاهتمام بالقاعدة الشعبية والشباب
فتح الأصلية كانت حركة كل الفلسطينيين، وحاضرة في القرى والمخيمات، ومع الشباب، ورافعة لهم، لذا يجب إعادة هذا الحضور. - تجديد الخطاب والممارسة
خطاب فتح يجب أن يكون صادقًا ومتماشيًا مع الواقع، بعيدًا عن الشعارات الفارغة، ومركزًا على خدمة الناس وحماية المشروع الوطني.
ثامنًا: الدروس المستفادة من مرحلة الانطلاقة
يمكن استخلاص عدة دروس من تجربة الانطلاقة والشهداء، أهمها:
• الوحدة قوة: الشهداء أكدوا أن الانقسام يضعف المشروع الوطني.
• التضحية ركيزة: أي نجاح بدون تضحية حقيقية يكون هشًّا.
• القيادة بالمثال: الشهداء كانوا قدوة، والقيادة الفاعلة تحتاج إلى نفس الروح.
• الوضوح في الهدف: نجاح فتح كان بسبب وضوح الرسالة الوطنية.
هذه الدروس تشكل خارطة طريق لكل مرحلة تنظيمية لاحقة.
تاسعًا: فتح بين الماضي والحاضر
فتح اليوم ليست مجرد ذكرى أو إرثًا تاريخيًا، بل حركة حية بحاجة إلى مراجعة مستمرة. العودة إلى قيم الشهداء ليست رجوعًا إلى الماضي، بل استلهامًا للمستقبل. فالمشروع الوطني لا يمكن أن يُنجز إلا عبر بناء حركة متجددة، ملتزمة بالقيم التي وضعتها الانطلاقة.
فتح التي تحافظ على قيم الشهداء هي فتح:
• قوية في التنظيم.
• واضحة في الرؤية.
• عادلة في الممارسة.
• حاضرة في الميدان وفي حياة الناس.
خاتمة
فتح كما حلم بها الشهداء هي حركة الوطن قبل كل شيء، والمصلحة العامة قبل كل اعتبار، والفكرة الوطنية قبل المواقع والمكاسب. الشهداء لم يضحوا بحياتهم من أجل السلطة أو النفوذ، بل من أجل فلسطين وشعبها وحقهم في الحرية والكرامة.
إن العودة إلى هذه القيم الأساسية ليست خيارًا تنظيميًا فقط، بل شرط بقاء المشروع الوطني حياً، وشرط استعادة روح التضحية والالتزام التي ميّزت الانطلاقة. فتح التي تحمي المشروع الوطني، وتعيش قيم الشهداء في كل قرار وسلوك، هي فتح التي يستحقها الشعب الفلسطيني، وهي فتح التي ستظل علامة مضيئة في تاريخ النضال الوطني.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .