
فرانكشتاين في بغداد، أسطورة الصدمة ، بقلم : بلقيس عثامنه
يمكن دراسة الأدب على أنه انعكاس للظروف المحيطة في المبدع ومجتمعه، أي من ناحية ثقافية نفسية، وبالتالي يكون العمل الأدبي مرآة للشعوب ومشكلاتها، فتختلط الأهواء والمخاوف والأساطير، ويمتزج الشعور الشخصي بالجمعي حتى يكون العمل صاخبًا وممتلئًا.
إن الأدب هو المقام الذي تتجلّى فـيه بشكل مباشر أو ضمني الانكسارات البعيدة والقريبة() فتكون هذه الانكسارات مفتاح الولوج إلى عالم النص، ومدخلًا لفهم الأبعاد الثقافية والاجتماعية والظروف التي شكلت هذا الوعي ومزجت وآلفت بين كل هذه القضايا حتى باتت نصًا أدبيًا منفتحًا على القراءة.
وفي هذا المقام أريد أن أشير إلى أدب الصدمة، وأذكر الناقد الفلسطيني رامي أبو شهاب في كتابه الضحية: “آداب الصدمة (التروما) — الصيغة، الأثر، الامتداد” في دراسته أدب ما بعد الكارثة، إذ يرى أبو شهاب أن الصدمة تجربة ثقافية ونصية لها أثر وصيغة وامتداد داخل الأدب العربي، تتجاوز النقل الحرفي للحدث إلى إعادة إنتاج تجربة الصدمة داخل اللغة والنص. ويتخذ الكتاب، بهذا التحليل، نهجًا نقديًا يتقاطع فيه علم النفس الثقافي، والدراسات ما بعد الكولونيالية، والنظرية الأدبية، بهدف فهم كيفية تعبير الأدب العربي عن تجارب الصدمة بعد الحروب والاحتلال والتهجير.
أما في الفصل المخصص لـلتجربة العراقية، وفي دراسته رواية فرانكشتاين في بغداد، ينظر إلى ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق (2003) كتجربة صدمة عميقة على المستوى الاجتماعي والإنساني؛ لا على أنها مجرد حدث سياسي. ويعتبر أن الأحداث التي أعقبت الاحتلال أعطبت البنية الحضارية القائمة للعراق.
ويقرأ أبو شهاب رواية أحمد سعداوي باعتبارها نصًا معبرًا عن تلك الصدمة الجمعية، فالرواية تستثمر أساطير المسخ، من الثقافة الغربية لتظهر كيف أن المجتمع العراقي المتأثر بالحرب والاحتلال قد أصبح في حالة تمزق حضاري ونفسي، وذلك من خلال إطلاق اسم “فرانكشتاين” على الشبح الذي يظهر في شوارع بغداد، وهو استدعاء صريح وإسقاط لآثار الغرب على المجتمع وتشويه صورته.
ينطلق في تحليله من فهم الاحتلال الأميركي بوصفه شكلًا من أشكال الإمبريالية الحديثة، إذ تمارس القوة تأثيرها بلا مسؤولية، والمأساة تمتد لما هو أعمق من صراع عسكري أو سياسي، إلى التهميش الاجتماعي والخوف الذي حل في الناس، وفقدان لذة الشعور، فبتاتت الآمال والآلام مشوهة وفاقدة لمعناها.
يرى أبو شهاب أن الرواية تستثمر الصياغة الرمزية والخيالية (مثل شخصية المسخ) لتجسيد التحولات النفسية والمجتمعية بعد الصدمة؛ وتظهر أن الصورة الأدبية تصبح أداة لإعادة التفكير في التأثيرات النفسية والاجتماعية لما يحدث بعد الكارثة، بذلك، تصبح الرواية وسيطًا لفهم أثر الصدمة وتكوينها داخل الوعي الجمعي.
أبو شهاب يرى أن الرواية نص يستثمر الخيال والرمز لرصد صدمة حضارية عميقة، تجسد أثر الاحتلال والعنف على المجتمع العراقي، وتفتح آفاقًا لقراءة الصدمة كقوة تشكيلية في النص الأدبي وليس فقط كحدث نفسي وحشي.
وفي هذا المقام، وبعد قراءتي للرواية أرغب بكتابة رأي خاص، حول الرواية وتشكلات الصدمة والعنف في نفس الشعب العراقي في ضوء الاحتلال الأمريكي وتفكك روابط المجتمع، وفقدان البوصلة، وبالتالي حالة التشتت التي تعرضها الرواية.
تنعكس الصدمة التي يتعرض لها المجتمع، على ثقافتهم، إيمانهم، علاقاتهم، وعلى نفوسهم، وبالتالي يصبح التمايز بين شخص وآخر، المعتقدات التي يؤمن بها، وسبله في التمسك بحبال أمل واهنة، وتمثل هذا في رواية فرانكشتاين في بغداد على وجه الوضوح، فكانت العجوز إيليشوا تؤمن بقديسها المخلص، وبالمعجزة التي ستقلب حياتها، ألا وهي عودة ابنها دانيال من السفر، ظن الجميع بجنونها، وأنها مباركة، لكن الحقيقة أن الرابط الإيماني والثقة بالقديس، كانت الخيط الرفيع بين الجنون واليقين، وهذا نتيجة للصدمة التي تعرضت لها نتيجة موت ابنها.
إن إيليشوا في الرواية تجسد من يعيش عالمه الخاص نتيجة صدمة خاصة، لا تتناسب وكل تلك المصائب من حولها، ولكن لكل إنسان عالمه وصدماته الخاصة التي تجعل منه قديسًا، أو مسخًا، وهنا كانت تسبح في عالمها غير آبهة بالصراعات من حولها، تبحث عن خلاص روحها الباحثة عن السكينة بعودة ابنها الميت، وبالتالي كانت تمتلك إيمانا خاصا نتيجة لصدمتها، وسرعان ما انفك هذا الإيمان بمخلصها وقديسها في حال عثورها على ابنها، ووفائه بعهده، وهنا ينتهي دور المخلص بانتهاء الصدمة وعودة النبض إلى روح هذه العجوز.
إن لكل إنسان صدماته، ونزاعاته الخاصة، إلى جانب الصدمة المجتمعية والمشكلات العامة التي تصيب بالبلاء الجميع، وهذا جانب آخر تعرض له الرواية، فحاول كل إنسان جشع استغلال الأوضاع العامة نتيجة الحرب لأجل مصالحه الخاصة، فهناك من يتعاون مع الأميركان، وهناك من يوظف الواقع ويدوس بساط حاجات الآخرين حتى يرتفع ويصل إلى مبتغاه.
وفي كل هذه الدوامة، تصبح الأساطير والخرافات حقيقة، نتيجة لفقدان الأمل والرغبة ببصيص فجر آت، فيكون العرافون، والدجالون حاضرون، مصدقوا الكلام، وبالتالي يكون لكلامهم الأثر في النفوس، ولخرافاتهم وقع مسموع بآذان كثيرة، تبحث عن ثابت في زمن الصراع والاغتيال والقتل، وبالتالي فإن الصدمة وفقدان البوصلة، تخلق لذوي الجنون حضورًا في عالم العقلاء، إذ ما فتئ شخص عن البحث عن خيط حقيقة حتى لو من دجال أو عرافة!
إن الصدمة جلية في هذا العالم الذي لا ثوابت فيه، ويمكن دراسة الصدمة في شخصية هادي العتاكـ الذي كان يجمع أشلاء الجثث ويعيد تركيبها في هيئة شخص واحد، حتى كان المسخ، الذي سبق أن حلله الناقد أبو شهاب لكني أرغب في قراءة وجه آخر، إن الحاجة الداخلية التي دفعت هذا العتاكـ إلى صنع هذا الجسد، هي الرغبة في البحث عن حقوق لهؤلاء الذين قتلوا، الحاجة الماسة في داخله إلى جمع الإنسان ودفنه كقطعة واحدة كاملة، يتم تشريحها وكتابة تقارير فيها، وهذا نتيجة لصدمته، من وفاة صديقه وجمعه أشلاء، ومن الأشلاء التي يشاهدها كل يوم نتيجة الانفجارات وارتفاع أعداد الضحايا، فتكون لكل روح قيمة، ولا ترتاح هذه الروح دون أن يدان الجاني الذي أفقدها أحلامها وعالمها، فباتت متشظية فاقدة لتفاصيلها.
إن الحرب تهمش الإنسان من الداخل، فتصبح حياته بلا جدوى ولا فائدة منها، فيتحول شغله الشاغل، إلى المحافظة على نفسه قطعة واحدة، ويجد طعامه، ويبحث عن مكان في عالمه الذي يعيش، دون أن يمتلك رغبة في طموح شريف، أو نضال، أو تميز ذا معنى.
فالصدمة والحرب تخلق أرواحًا مشوهة، إذ يرى كل نفسه في “المسخ” لخطاياه وذنوبه، فيصبح غير آبه في الآخرين، ولا أحد يأبه بأولئك الذين باتوا أشلاء ممزقة، ولكن أرواحهم ستلاحق كل مسخ حقيقي، حتى ينال عقوبته، وإن كانت هواجس وأوهام ترافقه، فالعدالة لها أشكال متعددة، تماما كما الحقيقة، والصدمة، والألم.
تقدم رواية فرانكشتاين في بغداد الصدمة ليس باعتبارها أثرًا عابرًا للحرب، إنها حالة وجودية تعيد تشكيل الإنسان وقيمه ومعناه. فـ “المسخ” ليس سوى صورة للوعي المتشظي الذي أنتجته دوامة الحرب، إذ تتلاشى الحدود في عالم فقد ثوابته، وتكشف الرواية أن الصدمة لا تعيد تعريف الإنسان بذاته العميقة، وتتركه معلقًا في سؤال دون إجابة: كيف يمكن للمعنى أن يولد في عالمٍ صنع من الشظايا ودمر الثوابت ليخلق أخرى بمعاييره؟
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .